التكوين والمسار السياسي للرئيس محمد مرسي حتى الانتخابات الرئاسية

التكوين الأكاديمي والبناء النفسي والمهاري (1951 – 1985)

لا يمكن قراءة السيرة الذاتية السياسية للرئيس محمد مرسي بمعزل عن التعرف على بنيته النفسية والفكرية والمهارية؛ فالعمل السياسي المحترف لا يولد من رحم المصادفة، بل تتخلق نواته عبر تمازج تراكمي بين جغرافيا النشأة، وتحديات التحصيل، وتنوع العلوم والمعارف، والانفتاح على مساحات كونية مغايرة.

لقد شكلت محطات حياته الأولى أدوات صقل حقيقية، تحول فيها السرد الزمني البسيط إلى محرك لبناء شخصية سياسية جمعت بين المنطق الرياضي الصارم والوعي الإنساني بالواقع الاجتماعي والعام، مما أهله لاحقا لتصدر المشهد كأحد أبرز الفاعلين في تيار المعارضة المصرية، وصولا لرئاسة الجمهورية.

الريف والقرية (الذكاء الاجتماعي والواقعية)

ولد الرئيس محمد مرسي في قرية “العدوة” بمركز ههيا بمحافظة الشرقية في 20 أغسطس 1951م، ونشأ في أسرة تنتمي لطبقة صغار الفلاحين والمزارعين المستقلين، وكان لمساعدته والده في الحقل قبل وبعد اليوم الدراسي، أثر كبير في تنمية مبادئ الاعتماد على النفس والارتباط بطبقات المجتمع الأكثر احتياجا، مما جعله مدركا منذ الطفولة بمعاناة الفلاحين وأورثه وعيا مبكرا بآليات الاقتصاد الزراعي وهموم المحليات، وهي الأرضية التي كان لها أثر بالغ – بعد ذلك – في صياغة خطابه السياسي والبرلماني، ووقوفه على معاناة الناس.

عناء الارتحال (الصلابة النفسية وإدارة الوقت)

وكان لارتحاله المبكر إلى مدارس بعيدة عن قريته أثر بالغ في شخصيته حيث كان ينتقل في المرحلة الإعدادية كل يوم إلى مدرسة بعيدة عن قريته، حيث يقطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام أو راكبا على ظهر دابة ليصل إلى مدرسته، وفي المرحلة الثانوية كان عليه أن ينطلق مع فجر كل يوم ليلحق “قطار الشرقية” متوجها إلى مدرسة أحمد عرابي بالزقازيق؛ كل هذه المشاق شكلت لديه مناعة نفسية، وعلمته مهارة الاستثمار الأمثل للوقت وعودته الصبر، حتى أصبح شعاره الحياتي والسياسي: “بالتدرج والصبر تصل إلى ما تريد”.

جامعة القاهرة والمدينة الجامعية (المرونة والانفتاح)

تخرج في الثانوية بتفوق ليكون واحدا من الأوائل على مستوى الجمهورية، وأراد أن يحقق أمنية والده في الالتحاق بالكلية الفنية العسكرية التي لم يمكث فيها سوى بضعه أشهر حتى استقر الأمر على تحقيق رغبته في الالتحاق بالتعليم المدني وشغفه بالبحث العلمي فالتحق بكلية الهندسة جامعة القاهرة.

وبذلك انتقل من حياة الريف في الشرقية إلى قلب العاصمة ليقيم في “مدينة الطلبة” الذين جاءوا من مختلف محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر وهو ما مثّل له نقلة نوعية؛ حيث انفتح على أنماط وعادات وتقاليد وشخصيات متنوعة، وتمازج مع أطياف فكرية وسياسية مختلفة بما صقل مرونته النفسية وقدرته على استيعاب الاختلاف وتفهمه.

التخصص الهندسي الدقيق (المنطق واللغة الرقمية)

تخرج عام 1975 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ليكون (الأول على دفعته) في قسم “هندسة الفلزات وعلم المعادن”، ثم تم تعيينه معيدا في الكلية، وقد تركت طبيعة رداسته العلمية أثرا كبيرا على طبيعة شخصيته، حيث اعتمدت دراسته على الرياضيات البحتة والفيزياء التطبيقية، والكيمياء الصناعية، وقضى ساعات طويلة داخل ورش السباكة والتشكيل ومعامل دراسة “تآكل المعادن”، وهو ما بنى لديه عقلية هندسية تحليلية لا تؤمن بالارتجال أو العاطفة، بل ترتكز على الأرقام، الإحصاءات، والتحليل الفني الدقيق؛ وهو الأسلوب الذي نقله بحرفية ومهارة لاحقا إلى أدائه البرلماني والسياسي.

سلاح الحرب الكيميائية (المنهجية والانضباط)

أدى الخدمة العسكرية الإلزامية في الفترة من (1975 – 1976) م، وتم توزيعه على سلاح “الحرب الكيميائية” لتطابق تخصصه الأكاديمي، وفي هذه الفترة ترسخت لديه قيم الانضباط الإداري وفهم البنية العسكرية والأمنية للدولة.

المغترب الأمريكي (عالمية المدارك والكفاءة الدولية)

نال الماجستير عام 1978 م، وبعدها حصل على منحة دراسية لنيل الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC) في لوس أنجلوس عام 1982م في تخصص “علم المواد”، وعمل على مشاريع بحثية معقدة تم الاستفادة منها في تطوير محركات الفضاء والدفع النفاث وحمايتها من التآكل الحراري في وكالة الفضاء الأمريكية (NASA)، وبعد أن أنهى مرحلة الدكتوراه عمل كأستاذ مساعد في جامعة ولاية كاليفورنيا في نورثردج (CSUN) حتى عام 1985م، ودرس مقررات الديناميكا الحرارية وميكانيكا المواد لطلاب البكالوريوس والماجستير.

وقد تركت هذه المرحلة أثرا كبيرا على مداركه، حيث تعرف على العقلية الغربية، وأصبح يتحدث الإنجليزية بطلاقة، وامتلك أوراق اعتماد علمية دولية رفيعة طورت كفاءته الاتصالية والمهارية بشكل كبير، إلا أنه رغم ذلك كله اعتذر عن العروض التي قدمت له للاستمرار في التدريس بجامعات أمريكية، وقرر العودة نهائيا إلى مصر في أغسطس 1985 م، ليخدم وطنه بعلمه ويتم تعيينه مدرسا بجامعة الزقازيق.

المعترك السياسي العملي والأداء البرلماني المحترف (1985 – 2005)

بدأت تبلور التجربة السياسية الميدانية للدكتور مرسي عقب انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين إبان دراسته في أمريكا عام 1979م. ولم ينقطع عطاؤه الأكاديمي والدعوي في هذه الفترة؛ إذ سافر عام 1989 للعمل كأستاذ جامعي في العاصمة الليبية طرابلس، ممثلا لنموذج الأكاديمي الذي ينشر العلم والوعي إقليميا، ثم عاد ليتم اختياره عام 1992 عضوا في “القسم السياسي” لجماعة الإخوان المسلمين، ونظرا لثقافته وعقليته المنظمة، شارك في مناقشة “وثيقة المرأة والمواطنة” عام 1994، والتي استهدفت الحفاظ على قيم الأسرة والمجتمع طبقا للرؤية الإسلامية المعاصرة.

وخلال هذه الفترة بدأ نشاطه السياسي المباشر، ومن ذلك:

الانخراط في العمل النقابي والميداني

انخرط الدكتور مرسي مبكرا في العمل العام على التوازي مع دوره في العمل التنظيمي والأكاديمي، وظهر ذلك بشكل كبير خلال مشاركته القوية في الدفاع عن استقلال نقابة المهندسين عقب فرض الحراسة القضائية عليها عام 1995 م، حيث شارك في الوقفات الاحتجاجية أمام دار القضاء العالي ونقابة المهندسين بشارع رمسيس، مما أكسبه دراية عملية بآليات الضغط القانوني والميداني.

الولوج إلى البرلمان وتحدي النظام (دورة 2000 – 2005)

خاض الدكتور مرسي جولة انتخابية عام 1995 م، إلا أن دائرة ههيا التي ترشح فيها تم تزويرها لصالح مرشح الحزب الوطني، ثم خاض الانتخابات البرلمانية عام 2000 م عن الدائرة الأولى بمحافظة الشرقية (بندر ومركز الزقازيق) تحت شعار “الإسلام هو الحل”، وأدار حملة انتخابية احترافية اعتمدت على المؤتمرات الجماهيرية المباشرة في القرى والتجمعات العمالية بالمصانع، ليفوز باكتساح متفوقا على مرشحي الحزب الوطني الحاكم، على الرغم من الضغوط الأمنية القاسية التي وصلت إلى حد اعتقال ابنه الأكبر الدكتور أحمد مرسي فور إعلان والده الترشح، والذي تكررت بعد ذلك مرات اعتقاله لتصل إلى 3 مرات، في محاولة للضغط عليه وتحجيم نشاطه السياسي الواسع.

الأداء البرلماني المتميز

نظرا لكفاءته القيادية وحضوره المؤثر، تم اختياره “متحدثا رسميا ورئيسا للكتلة البرلمانية لنواب الإخوان” والتي وصل عددها إلى (17 نائبا)، وقد أظهر الدكتور مرسي مهارة سياسية رفيعة في التنسيق والمناورة داخل المجلس، وأصبح هو المنسق المباشر مع رئيس مجلس الشعب د. أحمد فتحي سرور وزعيم الأغلبية كمال الشاذلي لتحديد أوقات الكلمات وتنسيق الاستجوابات، وسجل خلال هذه الدورة أداء رقابيا قياسيا ؛ حيث قدم 1500 طلب إحاطة، و250 سؤالا برلمانيا، و50 بيانا عاجلا، و100 اقتراح بقانون، و10 استجوابات عاصفة، و100 مداخلة تشريعية، وهو ما أهله لاختياره كـ “أفضل برلماني عالمي للدورة 2000 – 2005 م .

استجواب كارثة قطار العياط (فبراير 2002)

يمثل هذا الاستجواب الوثيقة الأبرز في تاريخ مصر البرلماني ؛ حيث وظف الدكتور مرسي تخصصه العلمي الدقيق كأستاذ لهندسة الفلزات لمحاصرة الحكومة ووزير النقل د. إبراهيم الدميري عقب احتراق قطار الصعيد، ووقف تحت القبة متجاوزا الخطابة العاطفية التقليدية، وقدم عرضا فنيا مدعوما بالأرقام والتحليلات المعملية، متحدثا عن نوعية المعادن المستخدمة في الكبائن، ودرجة انصهارها، وضعف مقاومتها للتآكل والحرارة العالية، وغياب أنظمة الإنذار الآلي، مما حول العربات إلى “أفران مغلقة”، وكشف بذلك حالة القصور والإهمال الحكومي مؤكدا: “إن هذا الحادث المأساوي كان نتيجة حتمية لإهمال حكومي متراكم يستوجب المحاسبة، وقصور إداري، وفساد مؤسسي في قطاع النقل، نحن نحمل الحكومة، رئيسا ووزراء، المسؤولية الجنائية والسياسية الكاملة عن دماء هؤلاء البسطاء”.

الملفات الخدمية والاقتصادية

قاد الدكتور مرسي معارضة شرسة ضد تمديد “قانون الطوارئ”، موجها طلبات إحاطة حول الفساد في المحليات، وتصدي لبرنامج بيع شركات القطاع العام (الخصخصة) كشركات الحديد والأسمنت والمطاحن، معتبرا إياها تصفية لأصول الدولة القومية بأبخس الأثمان. وبحكم نشأته الريفية، واجه وزير الزراعة يوسف والي بطلب إحاطة حول ديون الفلاحين لدى بنك التنمية والائتمان الزراعي وارتفاع أسعار الأسمدة واستيراد مبيدات محظورة تدمر الثروة الزراعية.

تأسيس الجبهة الوطنية للتغير 2004

وخلال هذه المرحلة اتسعت دائرة الحضور السياسي للدكتور محمد مرسي حيث شارك في تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير عام 2004 م مع الدكتور عزيز صدقي، رئيس وزراء مصر الأسبق، وبعض الرموز والقوى، بهدف تحقيق التغيير السياسي والدستوري في مصر وإحلال الديمقراطية الحقيقية.

إدارة ملف التحالفات وتصدر المشهد الحزبي ) 2005 – 2010 م.

ونظراً لأدائه البرلماني الذي أزعج النظام في برلمان 2000، اتُّخِذ الحزب الوطني حينها قراراً حاسماً، بإسقاطه المتعمد عبر التزوير الفج، والحصار الأمني الممنهج للجان الاقتراع في انتخابات 2005 م، والتي وصفها في مؤتمر صحفي بأنها : “حصار مسلح وهجوم سياسي تشنه أجهزة الأمن ضد المواطنين لمنعهم من الصناديق”.

وفي هذه الأثناء تم اختيار الدكتور مرسي عضوا في مكتب مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمون، وتولى مسؤولية الإشراف على “القسم السياسي” بالجماعة، ليصبح مسؤولا عن إدارة ملف العلاقات السياسية خلال تلك الفترة، والتي تم فيها عدد كبير من الأنشطة أبرزها :

الحوار مع القوى المدنية

وفي إطار سعي جماعة الإخوان المسلمون للتواصل والتنسيق مع القوى والتيارات السياسية، عقد الدكتور مرسي لقاءات مكثفة بمقرات الأحزاب مع شخصيات ليبرالية ويسارية وقومية لتنسيق مواقف انتخابات المحليات 2008 م والتضامن ضد الاعتقالات.

الحوار مع الدول بما فيها الولايات المتحدة:

وفي ملف الانفتاح على التفاعل مع الدول الأجنبية أعلن الدكتور مرسي في عام 2006 م رؤية الجماعة في عدم رفضها للحوار من حيث المبدأ مع الدول الخارجية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، بشرط أن يكون حوارا علنيا غير سري وبدون شروط مسبقة وألا يكون على حساب القضية الفلسطينية، وأن يتم بحضور ممثل لوزارة الخارجية المصرية.

إدارة الجدل حول مسودة برنامج الحزب (2007):م

عندما نشرت جماعة الإخوان المسلمون مسودة برنامج الحزب الذي بدأت في إعداده ثار الجدل حول مادتين تتعلقان بـ (هيئة علماء الأزهر، وحظر تولي المرأة والأقباط الرئاسة)، وتولى الدكتور مرسي الدفاع عن المسودة بمهارة سياسية وقانونية عالية عبر وسائل الإعلام، والتي كان من أبرزها: (المصري اليوم، وقناة الجزيرة في برامج “بلا حدود” و”الاتجاه المعاكس”)، حيث قدم تأصيلا سياسيا فكريا رصينا يجمع بين المرجعية الإسلامية والدستورية قائلا: “نحن دعاة دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، ولسنا دعاة دولة دينية سلطوية، مؤكدا أن الدولة الإسلامية رئيسها مدني ينتخب من الشعب، ولا يوجد في الإسلام سلطة لرجل دين معصوم” .

هندسة الحراك مع الجمعية الوطنية للتغيير ومقاطعة برلمان 2010م

في مطلع عام 2010 م، تم تكليف الدكتور محمد مرسي رسميا بتمثيل الإخوان في “الجمعية الوطنية للتغيير” التي كان يقودها د. محمد البرادعي، وشارك في الاجتماعات التي عقدت بمنزل البرادعي ومكتب د. يحيى الجمل، وقام بالتنسيق مع التيارات الليبرالية واليسارية وحركة 6 أبريل، ونجحت الجماعة بمفردها حينها وبإشراف الدكتور مرسي في جمع قرابة 70% من إجمالي توقيعات “بيان معاً سنغير” الذي تضمن (المطالب السبعة للإصلاح) والتي تجاوزت المليون توقيع.

وخاضت الجماعة الجولة الأولى لانتخابات برلمان 2010م، وعقب التزوير الفج وتقفيل الصناديق من الأمن والحزب الوطني الحاكم في الجولة الأولى، ترأس مرسي اجتماعا طارئا حول الانتخابات، وأعلن في مؤتمر صحفي عالمي في الأول من ديسمبر 2010 م انسحاب الجماعة التاريخي ومقاطعتها التامة لبرلمان وصفه بأنه: “مسرحية هزلية تتم برعاية كاملة من وزارة الداخلية… مؤكدا أن هذا البرلمان الذي ولد ميتا بالتزوير هو رصاصة الرحمة التي أطلقها النظام على نفسه، ومعلنا بداية مرحلة النضال الشعبي السلمي في الشارع بالتعاون مع كافة القوى الوطنية لتغيير النظام بعيدا عن الأدوات البرلمانية.

المواجهات الأمنية وثورة يناير والتحول الحزبي

دفع الدكتور محمد مرسي ضريبة مواقفه السياسية الصارمة عبر الملاحقة الأمنية المباشرة التي تنوعت بين الاعتقال وتحديد الإقامة والمنع من السفر، وكان من أبرز ملامح ما مارسته السلطة ضده:

اعتقالات ومنع من السفر

حيث تم اعتقال الدكتور محمد مرسي صبيحة يوم 18 مايو 2006 م من وسط البلد بالقاهرة أثناء قيادته لمظاهرات حاشدة أمام دار القضاء العالي ونادي القضاة بشارع رمسيس تضامنا مع “تيار استقلال القضاء” الذي كان يقوده كلا من المستشارين محمود مكي وهشام البسطويسي، وأودع سجن المزرعة بطرة، ثم تم نقله تعسفيا إلى سجن دمنهور بموجب قانون الطوارئ لمدة 7 أشهر، إلا أنه وعقب خروجه من المعتقل في ديسمبر 2006 م صرح لوسائل الإعلام أن : “النظام يظن أن تغييب القيادات سيوقف عجلة المطالبة بالتغيير، لكن الحراك انتقل إلى الشارع ولم يعد حكرا على النخبة”.

وفي عام 2008 م تم فرض الإقامة الجبرية على الدكتور مرسي وتم حصار منزله بالشرقية لمنعه من تقديم طعون المرشحين في انتخابات المحليات، ثم تم اعتقاله مجددا بسبب قيادته التحرك الجماهيري في محافظة الشرقية نصرة لغزة التي تعرضت حينها لعدوان صهيوني غادر في (ديسمبر 2008) م ومطالبته بفتح معبر رفح، وتم إدراجه على إثر ذلك في قوائم الممنوعين من السفر وحرمانه من حضور المؤتمرات الدولية التي وجهت له دعوة لحضورها.

محطة وادي النطرون وثورة يناير

وقد ساهم الدكتور محمد مرسي في صياغة موقف الجماعة المتوازن في الأيام الأولى لثورة 25 يناير، حيث تم التأكيد على أن الجماعة ستكون في قلب الشعب المصري لن تتقدم عنه ولن تتأخر عنه.

واستجابة لحالة النفير الشعبي الكبير عقب يوم 25 يناير 2011 م، دعت الجماعة إلى “جمعة الغضب”، يوم 28 يناير 2011 م، وفي فجر هذا اليوم تم اعتقال الدكتور مرسي من منزله بالتجمع الخامس مع 34 من قيادات الإخوان في المحافظات وتم ترحيلهم إلى “سجن وادي النطرون” الصحراوي.

وعقب انهيار جهاز الشرطة وفتح أبواب السجن صبيحة الأحد 30 يناير، أظهر الدكتور مرسي ثباتا واتزانا نفسيا وسياسيا فذا ؛ إذ رفض الخروج العشوائي واستخدم هاتفا عبر الأقمار الصناعية ليتصل بقناة الجزيرة في تسجيل تاريخي، معلنا هويات القيادات المتواجدة معه وموقعهم الدقيق، مطالبا الجهات القضائية والقوات المسلحة بالتحرك الفوري لاستلامهم بشكل قانوني منعا لاتهامهم بالفرار، ومع غياب الاستجابة الأمنية، غادر محيط السجن مع حلول العصر، وعاد مع الأهالي لينخرط مباشرة في اليوم التالي (31 يناير) بجموع المتظاهرين في ميدان التحرير.

إدارة المرحلة الانتقالية

في 6 فبراير 2011 م ووسط اشتعال الميدان، كُلف الدكتور مرسي بقيادة وفد الإخوان في جلسة الحوار العلني والمباشر بمقر مجلس الوزراء مع نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان وبحضور رموز المعارضة كحزب الوفد والتجمع والرموز الثورية، حيث نقل رسالة الجماهير الثائرة بطريقة حاسمة ودون مداهنة مؤكدا أن : “الشعب موجود في ميدان التحرير، والإخوان معهم… لسنا وحدنا في الميدان ولا نسيطر عليه، نحن في الميدان وفي الحوار، ولا تعارض بينهما، هذا الحوار يجب أن يحقق أهداف الثورة وهي رحيل رئيس بحزبه وأمنه وحكومته”. وعقب التنحي، أدار الدكتور مرسي موقف الجماعة حول التعديلات الدستورية التي تمت في استفتاء 19 مارس 2011 م بهدف تسريع نقل السلطة من العسكري إلى سلطة مدنية منتخبة.

رئاسة حزب الحرية والعدالة

أعلن مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في 30 أبريل 2011 م تأسيس حزب “الحرية والعدالة” لكل المصريين، وتم اختيار د. مرسي رئيسا للحزب، ود. عصام العريان نائبا، ود. سعد الكتاتني أمينا عاما، واستقالوا جميعا وبشكل فوري من مكتب الإرشاد للتفرغ للعمل الحزبي، وتم تقديم أوراق تأسيس الحزب في 18 مايو 2011م بدار القضاء العالي.

التحالف الديمقراطي من أجل مصر

وعقب تأسيس حزب الحرية والعدالة أدار الدكتور مرسي ماراثونا سياسيا لتشكيل “التحالف الديمقراطي من أجل مصر” الذي ضم في البداية 43 حزبا من مختلف الأطياف، قبل أن يتم الضغط على عدد كبير من القوى والأحزاب السياسية ومنها حزبي الوفد والنور للانسحاب من التحالف، ثم خاض التحالف السباق البرلماني بـ 11 حزبا، وحقق تحت قيادة الدكتور مرسي فوزا كبيرا انتهى في يناير2012 م بحصاد 235 مقعدا بمجلس الشعب (قرابة 47%).

حادث بورسعيد ومواجهة مع المجلس العسكري

وعقب مذبحة استاد بورسعيد التي وقعت في فبراير 2012 م، واجه الدكتور مرسي المجلس العسكري وطالب بإقالة حكومة كمال الجنزوري ومحاسبة وزير الداخلية.

وثيقة السلمي ومواجهة أخرى مع المجلس العسكري

قاد الحزب برئاسة الدكتور مرسي وبالمشاركة مع القوى الوطنية المليونيات الشعبية التي كانت تسهدف إسقاط “وثيقة علي السلمي” التي تضمنت وضعا خاصا للجيش بعيدا عن الدستور، وهو ما عرف بالمبادئ فوق الدستورية، والتي كانت تستهدف تحصين ميزانية الجيش، وقرر الحزب بناء على ذلك سحب ممثليه من المجلس الاستشاري للمجلس العسكري رفضا للالتفاف على البرلمان الشرعي وحقه في إصدار دستور لا يخضع سوى لإرادة الشعب باعتباره مصدر السلطات.

السباق الرئاسي وإعلان فوز الرئيس مرسي (مارس – يونيو 2012)

شكلت أسابيع ربيع عام 2012 م ذروة التحول الإجرائي في مسيرة الرئيس مرسي السياسية؛ حيث قرر مجلس شورى الإخوان في 31 مارس 2012 م بالدفع بمرشح للرئاسة لحماية مكتسبات الثورة ومواجهة تعنت العسكري واختيارالمهندس خيرت الشاطر ممثلا لجماعة الإخوان المسلمون وحزب الحرية والعدالة.

ومع رفض أوراق المهندس الشاطر اتخذت الهيئة العليا لحزب الحرية والعدالة في 7 أبريل 2012 م قرارا بالإجماع بالدفع بالدكتور محمد مرسي مرشحا رئاسيا، وذلك بتوافق كامل مع مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمون، ونجح الدكتور مرسي في تقديم أوراقه في الدقائق الأخيرة قبل إغلاق باب الترشح، ليقود مشروع النهضة الذي تبناه حزب الحرية والعدالة مدعوما من جماعة الإخوان المسلمون.

وردا على الحملات الإعلامية التي استهدفت الرئيس مرسي منذ الإعلان عن ترشحه ووصفه بـ “المرشح الاحتياطي” أكد أنه رئيس الحزب الذي يتبنى مشروع النهضة وأن أفراد الجماعة والحزب لا يلتفون حول أسماء، بل يلتفون حول مشروع.

نجح الدكتور مرسي في الجولة الأولى لانتخابات الرئاسة (23-24 مايو 2012) في حصد المركز الأول بـ 5,764,952 صوتا (24.78%) لينتقل إلى جولة الإعادة ضد الفريق أحمد شفيق (الذي حصل على 23.66%).

وقبيل الجولة الثانية، أظهر الدكتور مرسي مهارة سياسية بارعة في احتواء القوى الثورية والمدنية وشباب الثورة عبر هندسة وتوقيع “وثيقة فيرمونت” في 22 يونيو 2012 م، متعهدا بتشكيل مؤسسة رئاسية وطنية تضمن الشراكة وتشكيل حكومة ائتلافية برئاسة شخصية مستقلة، وإعادة توازن الجمعية التأسيسية للدستور.

وفي يوم الأحد 24 يونيو 2012 في تمام الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة عصراً، حبست مصر أنفاسها ليعلن المستشار فاروق سلطان من مقر الهيئة العامة للاستعلامات رسميا النتيجة التاريخية الموثقة لجولة الإعادة بفوز الدكتور محمد مرسي بمنصب رئيس جمهورية مصر العربية كأول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، بحصاد 13,230,131 صوتا بنسبة 51.73% من إجمالي الأصوات الصحيحة، متفوقا على الفريق أحمد شفيق الذي حصل على 12,347,380 صوتا بنسبة 48.27%، من أصل 25,577,511 صوتا صحيحا شملها الاستحقاق الرئاسي ؛ لتبدأ مصر صفحة جديدة صاغتها صناديق الاختيار الحر .

أهم السمات والقيم السياسية في شخصية الدكتور محمد مرسي

بناء على تتبع مساره الميداني والبرلماني والحزبي تميزت الممارسة السياسية للدكتور محمد مرسي بحزمة من القيم والمبادئ الحاكمة والثابتة:

المرونة السياسية والقدرة على التفاعل مع المستجدات

فقد تجلت مرونة الرئيس مرسي السياسية في سرعة الاستجابة لتحولات المناخ السياسي المعقد ؛ ففي مرحلة العمل البرلماني قاد معارضة منضبطة اتسمت بالقوة والمرونة في ذات الوقت، وعندما انخرط في حراك على الأرض إبان ثورة يناير، جمع بين الحشد الجماهيري وبين التفاوض المباشر والعلني، حيث قاد عملية التفاوض مع أركان نظام مبارك والتي تمثلت في مشاركته مع الأحزاب والقوى الثورية في اجتماعات مع اللواء عمر سليمان جنبا إلى جنب مع دوره في المسؤولية عن الحراك الثوري والمنظم لجماعة الإخوان المسلمون داخل ميادين الثورة، وعندما انتقل إلى رئاسة الحزب أدار انخراط الحزب في التحالف الديمقراطي الذي ضم 43 من القوى والأحزاب السياسية استعدادا لخوض الانتخابات البرلمانية والتي حقق فيها للتحالف انتصارا واسعا، ثم قاد الحملة الانتخابية لرئاسة الجمهورية حيث تمكن الحزب خلال أيام معدودة من الدفع برئيسه إلى سدة الحكم في أقصر مدة من خلال تطويع الهياكل الإدارية للحزب والجماعة لتحقيق هذا الإنجاز الكبير.

إعلاء مصلحة الوطن

شكلت مصلحة مصر العليا القطب المغناطيسي الذي وجه كافة مساعيه وحركاته السياسية والحزبية ؛ وبدى ذلك واضحا منذ أن قرر الرجوع لمصر من أمريكا بعد حصوله على الدكتوراه وتعيينه بواحدة من جامعاتها الكبرى بهدف خدمة وطنه وبلده،، كما ظهر ذلك في تنازل حزب الحرية والعدالة – بإشرافه وتوجيهه – عن نسب كبيرة من مقاعده المضمونة في القوائم البرلمانية لصالح أحزاب التحالف الديمقراطي لضمان تمثيل الطيف المصري كاملا، تحت شعار : “مشاركة لا مغالبة“، وكان يرى في التعددية السياسية والاصطفاف الوطني قوة للدولة، رافضا بوضوح سيناريوهات الاستقطاب، وساعيا على الدوام لتقديم التنازلات الحزبية في سبيل تحقيق التوافق الوطني العام.

الاعتماد على المنهج العلمي واللغة الرقمية

تميز الرئيس مرسي باهتمامه الكبير بالمنهجية العلمية سواء في توجيه النقد للحكومة إبان مرحلة رئاسته للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمون أو في مرحلة الرئاسة، وهو مابدى بشكل واضح في استجواب قطار العياط وملفات الخصخصة وقضايا الفلاحين التي اعتمدت على المعلومات والأرقام بعيدا عن الطرح العاطفي أو العشوائي، وهو ما استمر عليه بعد توليه الرئاسة في تغليبه المعايير الفنية الدقيقة والمعلومات في بناء القرارات والمتابعة.

النزاهة والشفافية

اتسم عمل الرئيس مرسي السياسي و الحزبي بالنزاهة الإدارية والمالية؛ فمنذ أن بدأ في دخول المجال العام والمعترك السياسي في انتخابات 1995 م وانتخابات 2000م وصفحته ناصعة البياض والنزاهة والشفافية من الناحية المالية والأخلاقية والإدارية والعملية، ولم يستطع خصومه ولا أجهزة الدولة أن ترصد عليه يوما أي مخالفة في أي مجال، وبعد تولي رئاسة الحزب واجه خصومه بشجاعة وتحد لإثبات تلقي الحزب دولاراً واحدا من التمويل الأجنبي، مخضعا سجلات الحزب لرقابة الأجهزة الرقابية للدولة، ومنطلقا من منظور يرى العمل العام أمانة ومسؤولية أخلاقية لخدمة الناس لا مكسبا شخصيا.

المؤسسية وإنكار الذات

ظهرت عقلية الدكتور مرسي التنظيمية المنضبطة في امتثاله التام للقرارات الشورية والمؤسسية سواء في قرار المقاطعة أو الترشح، وفي قبوله التكليف لخوض انتخابات الرئاسة دون بحث عن وجاهة فردية، وتوج هذا المسلك بتقديمه لاستقالته الفورية من مكتب الإرشاد لتولي رئاسة الحزب، ثم بعد ذلك استقالته من رئاسة الحزب فور إعلان فوزه بالرئاسة، تفعيلا لقيمة المؤسسية، وحق كل مؤسسة في الاستقلالية وفي أن يكون منصب رئيس الجمهورية ممثلاً جامعاً لكل أطياف ومكونات الشعب المصري.

الانحياز للهوية الحضارية ونصرة الأمة

شكلت الهوية الإسلامية والانحياز لقضايا الأمة المحورية القطب الذي وجه مواقف الرئيس محمد مرسي؛ إذ انحاز بثبات لحق الشعوب في نيل حريتها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وانطلق في ذلك من رؤية واضحة ترى في المقاومة حقاً مشروعاً تكفله الشرائع والمواثيق الدولية للدفاع عن الأرض والعِرض.

وقد اقترن هذا المنطلق الفكري بالعمل الميداني المباشر؛ حيث قاد وشارك قبل توليه مسؤولية الرئاسة في العديد من المسيرات الشعبية المنددة بالعدوان على قطاع غزة، وتبني لغة حاسمة ترفض التطبيع الاقتصادي أو المداهنة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، وعقب توليه الرئاسة ترجم هذا الانحياز عملياً في جهوده الملموسة لكسر حصار غزة وإغاثة المنكوبين انطلاقاً من مفهوم ورابطة الأخوة الإنسانية والعقدية.

خاتمة

إن القراءة التحليلية المعمقة في التكوين والمسار السياسي للرئيس الدكتور محمد مرسي، سواء قبل توليه منصب الرئاسة أو بعده، تكشف عن شخصية سياسية فريدة؛ إذ نجح باقتدار في أن يجمع بين العلوم الدقيقة والتحليل الهندسي الصارم، وبين الثقافة والسياسية والخبرة العملية الممتدة عبر عقود من النضال البرلماني والميداني والحزبي.

لقد كان الرئيس الدكتور محمد مرسي نموذجا سياسيا ملهما ومتكاملا صاغته التحديات المتنوعة ؛ فلم تكن تدرجاته قفزات عشوائية، بل صعد السلم من قاعدته الشعبية الأولى؛ من جغرافيا ريفية بسيطة تعلم من خلالها الجلد وإدارة الوقت، مروورا بمنصات البحث العلمي في كبرى الجامعات الدولية، وصولا إلى قيادة أكبر كتلة معارضة تحت قبة البرلمان وإدارتها الرقابية القياسية بكفاءة عالية نال عنها لقب أفضل برلماني عالمي.

إن كفاءته الفذة في هندسة الاصطفاف الوطني، ومرونته العالية في إدارة ملف التحالفات مع التيارات الليبرالية واليسارية، مضافا إليها اتزانه النفسي والصارم في أحلك لحظات الاعتقال والمواجهة الأمنية، كانت هي المؤهلات الذاتية والموضوعية التي جعلت من هذا العالم شخصية مؤهلة باقتدار لقيادة مصر في أصعب فترات تحولها التاريخي، ولتظل مسيرته حتى عتبة الرئاسة فصلا يثبت أن التميز الأكاديمي والاتزان النفسي والخبرة الميدانية وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة، هي المؤهلات التي صنعت أول رئيس مدني منتخب بإرادة شعبية حرة في تاريخ البلاد.

موضوعات مرشحة