الدكتور محمد مرسي والبرلمان.. مسيرة نائب صنعتها الوقائع وخلدها التاريخ

الدكتور محمد مرسي والبرلمان

في تاريخ البرلمانات المصرية، مرَّ آلاف النواب تحت قبة مجلس الشعب، وتعاقبت الدورات البرلمانية، وتبدلت الحكومات، وغابت أسماء كثيرة بمجرد انتهاء فتراتها النيابية، لكن قليلين هم الذين تركوا وراءهم تجربة بقيت حاضرة في ذاكرة العمل البرلماني، لا لكثرة ما شغلوا من مناصب، ولا لطول بقائهم تحت القبة، وإنما لما أحدثوه من أثر في أداء المؤسسة التشريعية، وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة، وفي الدفاع عن مصالح المواطنين، وكان الدكتور محمد مرسي أحد أبرز هؤلاء.

ونتناول هنا جانبا مهما من شخصية الدكتور محمد مرسي تجلت بشكل واضح خلال فترة عمله البرلماني وممارساته السياسية، بما رسخ حضوره في الحياة العامة، وجعله أحد أبرز وجوه المعارضة تحت قبة البرلمان خلال سنوات حكم نظام مبارك.

فلم تكن علاقة الدكتور محمد مرسي بالبرلمان المصري علاقة عابرة، حيث لم تبدأ هذه العلاقة مع دخوله مجلس الشعب نائبًا منتخبًا عام 2000 م بل سبقتها سنوات من الاقتراب من العمل البرلماني، ومتابعة آلياته، والمشاركة في دعم برلمانيين في مرحلة سابقة، ثم تطورت هذه العلاقة عبر ثلاث محطات انتخابية كبرى : تجربة عام 1995 القاسية، وتجربة عام 2000 التي حملته إلى مقعد البرلمان ورئاسة الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، ثم انتخابات عام 2005 التي مثلت قمة التضييق والتزوير ضده لمنعه من دخول البرلمان.

وفي هذا الجانب من حياة الدكتور محمد مرسي، نرى صورة مختلفة له بوصفه نائبًا صلبًا، ورئيسًا لكتلة برلمانية نشطة، وسياسيًا حمل إلى البرلمان خطابًا رقابيًا حادًا، وأسلوبًا يعتمد على الملفات والمستندات، ورؤية تربط بين الإصلاح السياسي، والرقابة على الحكومة، وخدمة الدائرة، والالتزام بالمرجعية الإسلامية، كما تقدمه التجربة رجلًا لا يخاف إلا الله، يتقدم الصفوف في الحملات الانتخابية، ويواجه أجهزة الأمن في اللجان، ويحاول أن ينزع الخوف من صدور أنصاره ومؤيديه.

البداية مع برلمان 1987 م

بدأت علاقة الدكتور محمد مرسي بالعمل البرلماني مع تجربة برلمان عام 1987 م، حيث كان لمشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات ضمن التحالف الإسلامي مع حزبي العمل والأحرار دورا مهما في تراكم الخبرة البرلمانية لدى الجماعة، بعد أن أفرزت تلك التجربة حضورًا بارزًا داخل المجلس، وشُكِّلت جماعة الإخوان المسلمين كتلة مستقلة برئاسة المستشار محمد المأمون الهضيبي .

ومع اتساع مسؤوليات الكتلة البرلمانية، برزت الحاجة إلى فريق من المتخصصين يتولى إعداد الدراسات والملفات والبيانات اللازمة لدعم النواب في أداء دورهم التشريعي والرقابي، ومن هنا بدأت العلاقة المباشرة للدكتور محمد مرسي بالعمل البرلماني.

وكان الدكتور مرسي آنذاك أستاذًا جامعيًا، عُرف بدقته العلمية ومنهجيته في البحث والتحليل، مما جعله مؤهلا للمشاركة في لجنة الدعم الفني، التي ضمت كوادر فنية وإدارية عليا في مجالات متعددة استفادت من الخبرات البرلمانية والسياسية للجماعة.

وخلال هذه المرحلة، اكتسب الدكتور مرسي خبرة في فهم آليات الدعم البرلماني، وإعداد الملفات التي يستند إليها النواب في مناقشاتهم واستجواباتهم ومواقفهم داخل المجلس، حيث منحته تجربة عام 1987 م معرفة مبكرة بآليات إدارة الكتلة البرلمانية، وبأهمية العمل الجماعي، وبحاجة النائب إلى ظهير فني ومعلوماتي لا يقل أهمية عن حضوره تحت قبة البرلمان، كما انعكس أثر هذه التجربة لاحقًا على أسلوب إدارته للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين خلال دورة 2000–2005 م التي بدت أقرب إلى الأداء المؤسسي المنظم منها إلى النشاط الفردي.

انتخابات 1995.. التجربة الأولى في أجواء قاسية

كانت انتخابات عام 1995 أول تجربة انتخابية مباشرة للدكتور محمد مرسي، حيث خاضها مرشحًا عن دائرة ههيا بمحافظة الشرقية، في سياق سياسي وأمني شديد القسوة، بدأ قبل الانتخابات بحملة اعتقالات واسعة ضد الإخوان المسلمين وتحويل عدد من قيادات الجماعة ورموزها إلى المحاكمات العسكرية، وذلك في محاولة لإجهاض مشاركتهم في الانتخابات البرلمانية، ومع ذلك خاض الدكتور مرسي التجربة ضمن عدد كبير من مرشحي الجماعة على مستوى الجمهورية، في وقت كانت فيه المشاركة نفسها تمثل تحديًا سياسيًا وأمنيًا.

ورشّح الحزب الوطني ضابط الشرطة السابق محمد أبو المجد نصار في مواجهة الدكتور محمد مرسي، وعملت الأجهزة الأمنية والحزب الوطني على التضييق على المرشحين، وفي مقدمتهم الدكتور محمد مرسي وإبراهيم عبادة، نائب الدائرة في دورة 1990 م، بمختلف الوسائل، بهدف إنجاح مرشح الحزب الوطني.

وقد برزت خلال الحملة الانتخابية إحدى السمات الأساسية في شخصية الدكتور محمد مرسي، وهي الجسارة والإقدام، فقد كان يتقدم الحملة بسيارته عندما يخشى أنصاره هجمات البلطجية، كما واجه في إحدى الجولات ضابطًاً من أمن الدولة كان يرهب المواطنين داخل لجنة انتخابية، ووبخه أمام الحاضرين، في محاولة لكسر حاجز الخوف لدى الناخبين.

وانتهت انتخابات عام 1995 م بتزوير واسع ضد مرشحي الإخوان المسلمين، ولم يفز منهم على مستوى الجمهورية سوى نائب واحد هو الأستاذ علي فتح الباب.

وأطلق مراقبون على مجلس الشعب المنتخب عام 1995 م أوصافًا عدة، من بينها “مجلس سيئ السمعة” و«مجلس نواب القروض»، كما شهد المجلس أكثر من 915 طعنًا في صحة عضوية نوابه.

ورغم ما تعرض له الدكتور محمد مرسي من تزوير في تلك الانتخابات، فإن التجربة منحته خبرة ميدانية مباشرة بطبيعة العملية الانتخابية، وأظهرت مبكرًا ملامح شخصيته بوصفه مرشحًا لا ينسحب أمام الضغوط، ولا يكتفي بإدارة حملته من الخلف.

انتخابات 2000.. انفراجة قضائية وتضييق أمني

جرت انتخابات عام 2000 في سياق مختلف نسبيًا، بعد حكم المحكمة الدستورية العليا في 8 يوليو 2000 بضرورة الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات. ورأت جماعة الإخوان المسلمين في هذا الحكم بادرة إيجابية، فقررت خوض الانتخابات بعدد محدود من المرشحين بلغ 75 مرشحًا على مستوى الجمهورية.

لكن هذه الانفراجة القانونية ظلت محصورة داخل اللجان الانتخابية، ولم تُلغِ القبضة الأمنية خارجها، فقد استمر الضغط على المرشحين، وتم استدعاء بعضهم، واعتقال مؤيديهم، والتضييق على أعضاء الجماعة ومؤيديهم في مصادر رزقهم، حتى وصل عدد المعتقلين إلى 5000 معتقل خلال مراحل العملية الانتخابية.

وترشح الدكتور محمد مرسي هذه المرة في الدائرة الأولى بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وحصل على الرمز الانتخابي «الكف». وكان ينافسه عدد كبير من المرشحين، من بينهم مجدي عاشور، مرشح الحزب الوطني.

وكانت المعركة في الزقازيق جزءًا من مناخ انتخابي عام اتسم بتحيز إعلامي واضح لصالح مرشحي الحزب الوطني، خاصة عبر الصحف القومية التي ركزت على مؤتمرات الوزراء والرموز الحكومية، في مقابل تجاهل مرشحي المعارضة والإخوان المسلمين.

كما كان التضييق الأمني على التغطية الإعلامية لمرشحي الإخوان شديدًا في مختلف الدوائر، ووقعت حالات اعتداء على صحفيين ومراسلين أثناء التغطية، من بينها الاعتداء على مراسلة قناة أبو ظبي في دائرة الزقازيق، حيث اعتدت عليها الشرطة في قرية هرية رزنة وأتلفت الكاميرا الخاصة بها، وحررت محضرًا بالواقعة ضد الشرطة.

وفي هذه الأجواء، خاض الدكتور مرسي حملته الانتخابية، ووصل إلى جولة الإعادة، ثم فاز بعضوية مجلس الشعب ضمن 17 نائبًا من مرشحي الإخوان المسلمين، وهو ما مثّل تحولًا مهمًا في مساره السياسي ؛ إذ انتقل من مرحلة الدعم الفني القريب من التجربة البرلمانية، إلى نائب منتخب، إلى أن أصبح بعد ذلك رئيساً لأنشط كتلة برلمانية في مجلس الشعب.

رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين

بعد فوز الدكتور مرسي في انتخابات عام 2000 م، تم اختياره رئيسًا للكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين في مجلس الشعب خلال دورة 2000–2005 م، واستخدم نواب الإخوان تحت قيادته مختلف الوسائل الرقابية داخل المجلس، والتي تجاوز عددها ستة آلاف وسيلة رقابية خلال الفصل التشريعي، توزعت بين طلبات إحاطة، وأسئلة، وبيانات عاجلة، واستجوابات، واقتراحات، ومداخلات.

وكان نصيب الدكتور محمد مرسي منها:

  • 1500 طلب إحاطة
  • 250 سؤالًا
  • 50 بيانًا عاجلًا
  • 100 اقتراح
  • 10 استجوابات
  • 100 مداخلة

ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في كثرتها وحدها، بل في أنها تعكس تصورًا للعمل النيابي يقوم على تحويل أدوات الرقابة إلى ممارسة يومية منظمة، فالنائب في رؤية الدكتور مرسي لم يكن مجرد خطيب سياسي، بل مراقبًا للحكومة، ومتابعًا للملفات، وممثلًا للدائرة، وصاحب مقترحات تشريعية، وفاعلًا في القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، حيث لم يتعامل مع الاستجواب بوصفه إجراءً شكليًا، بل أداة رقابية عالية التأثير.

ومن أبرز الاستجوابات التي ارتبطت باسم الدكتور مرسي:

– استجواب كارثة قطار الصعيد

وقد كان استجواب كارثة قطار الصعيد الذي ناقشه المجلس في مايو 2002 م هو الأقوى حيث قدم الدكتور مرسي الحكومة بوصفها مسؤولة عن الإهمال الجسيم، والقصور في إجراءات السلامة والأمان، وتصدى للتصريحات المستفزة التي أعقبت الحادث، وكشف الاستجواب كيفية استخدام الدكتور مرسي خلفيته العلمية في مناقشة أسباب الحريق، ومواجهة رواية الحكومة بأسئلة فنية ومنطقية.

وقد حظي هذا الاستجواب بتقدير واسع داخل المجلس، حتى من بعض نواب الحزب الوطني الذين تعاطفوا معه رغم تصويتهم مع الحكومة.

– استجواب عمارة مدينة نصر

وفي عام 2004 م فتح الدكتور مرسي من خلال الاستجواب حول انهيار عمارة مدينة نصر ملف سقوط العقارات ومخالفات البناء والفساد المحلي، ولم يتعامل مع الواقعة باعتبارها حادثًا منفصلًا، بل ربطها بمنظومة من الإهمال الإداري، وغياب الرقابة، وضعف المحاسبة، ووجه الاتهام إلى الحكومة بسبب التقصير، وحملها مسؤولية أرواح المواطنين ورجال الإطفاء الذين قضوا في الحادث.

وقد كشفت هذه الاستجوابات قدرة الدكتور مرسي على الجمع بين النقاش السياسي والطرح الفني؛ حيث لم يكتف بتوجيه الاتهام العام، بل قدم تسلسلًا للوقائع، وحدد المسؤوليات، وأحسن استخدام المعلومات الفنية والقانونية لإحراج الحكومة، ودفعها إلى الرد أو المعالجة أو المحاسبة.

من أبرز الأدوار البرلمانية للدكتور مرسي

– خدمة الدائرة

لم يقتصر أداء الدكتور محمد مرسي على القضايا العامة، بل أولى دائرته الانتخابية اهتمامًا واضحًا من خلال متابعة قائمة طويلة من الخدمات والمطالب المحلية، وشملت هذه الجهود:

  • إنشاء مدارس في قرى متعددة.
  • متابعة مشكلات الصرف الصحي.
  • السعي إلى إنجاز مشروعات طرق وكباري.
  • الموافقة على إحلال وتجديد مساجد.
  • دعم مراكز الشباب.
  • توفير العلاج على نفقة الدولة.

وخلال عضويته البرلمانية، أنجز 25 ألف طلب خدمي للمواطنين، وسعى إلى تعيين 755 من أبناء الدائرة بحسب الكفاءة، كما تابع تنفيذ مشروعات مثل كوبرى الزهور، وازدواج طريق منيا القمح – بنها، وإنشاء أنفاق أسفل السكة الحديد.

وتبرز هذه الصورة جانبًا مهمًا في شخصية الدكتور مرسي البرلمانية، والتي تمثلت في الجمع بين اهتمامه بالقضايا الكبرى والاهتمام بتقديم الخدمات للناس في مشاكلهم اليومية؛ فهو يتحدث في البرلمان عن الدستور والطوارئ وفلسطين والعراق، وفي الوقت نفسه يتابع فيه مشاكل رغيف الخبز، والصرف الصحي، والمدارس، والمستشفيات، والعلاج، والطرق، فكان هذا الجمع بين المحلي والوطني أحد أسباب حضوره الجماهيري في دائرته.

– الإصلاح السياسي والدستوري.. المادة 76 نموذجًا

شكّل ملف الإصلاح السياسي والدستوري أحد أبرز محاور أداء الدكتور محمد مرسي والكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين خلال برلمان 2000 م، وبرز ذلك بوضوح في معركة تعديل المادة (76) من الدستور عام 2005 م التي جعلت انتخاب رئيس الجمهورية للمرة الأولى بالانتخاب من بدائل بدلا من الاستفتاء على شخص واحد.

وقد وافق نواب الإخوان المسلمين على مبدأ تعديل المادة من حيث الأصل، لكنهم رفضوا النص النهائي، معتبرين أنه وضع شروطًا تعجيزية للترشح لرئاسة الجمهورية، وتقييد عملية الانتخاب الحر لرئيس الجمهورية، بما يفرّغ التعديل من مضمونه.

وقدم الدكتور محمد مرسي والكتلة البرلمانية تصورًا بديلًا يقوم على الانتخاب الحر المباشر، والإشراف القضائي الكامل، وتشكيل لجنة عليا مستقلة للإشراف على الانتخابات، وتحديد شروط أكثر انفتاحًا للترشح، مع النص على تخلي الفائز برئاسة الجمهورية عن انتمائه الحزبي قبل أداء اليمين.

وفي الجلسة التي ناقشت تعديل المادة، وصف الدكتور مرسي ذلك اليوم بأنه «عصيب» بالنسبة للشعب المصري، الذي كان يتطلع إلى ديمقراطية حقيقية وحرية في اختيار قياداته، كما رفض النص المطروح، واعتبره تعديا على إرادة الأمة.

وامتد موقف الدكتور مرسي لمواجهة محاولات صياغة قوانين لاحقة على التعديل الدستوري المنقوص، مثل قانون الانتخابات الرئاسية، وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وقانون مجلس الشعب، وقانون الأحزاب، وفي جميع هذه الملفات، كان اعتراضه يدور حول نقطة مركزية، هي أنه لا قيمة لأي إصلاح سياسي جزئي أو شكلي في ظل استمرار العمل بقانون الطوارئ، والتضييق، وغياب ضمانات النزاهة، وضعف الإشراف القضائي الحقيقي..

– الحريات والطوارئ والتعذيب

كان ملف الحريات والطوارئ والتعذيب والاعتقالات من بين أهم الملفات التي خاضها نواب الإخوان المسلمين تحت قيادة الدكتور محمد مرسي داخل البرلمان.

وشهد المجلس سلسلة طويلة من المواجهات البرلمانية حول هذه القضايا، من بينها الاعتقالات المرتبطة بمظاهرات تعديل الدستور، واعتقال علماء الأزهر، وقضية الدكتور أكرم الزهيري، والتعذيب في مقار أمن الدولة، ومقتل طارق الغنام.

واتخذ الدكتور محمد مرسي موقفًا حاسمًا من قانون الطوارئ، إذ رأى أنه شل الحياة السياسية، وأضعف الأحزاب والنقابات، وفتح الباب أمام الاعتقال والتعذيب والمحاكمات الاستثنائية. واعتبر أن إلغاء قانون الطوارئ والقوانين الاستثنائية شرط ضروري لعودة الحياة السياسية الطبيعية.

وفي هذا الملف تحديدًا، برز دور البرلمان بوصفه منصة لكشف ما يجري خارج قاعاته، فقد دفعت طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة إلى إجراء زيارات برلمانية للسجون، ومناقشة أوضاع المعتقلين، وتسجيل شهادات تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة، وهو ما جعل الملف الحقوقي أحد أبرز ملامح تجربة الدكتور محمد مرسي والكتلة البرلمانية خلال دورة 2000–2005.

– الدفاع عن الشريعة والحفاظ على الأزهر 

كان البعد الإسلامي حاضرا في نشاط الدكتور محمد مرسي البرلماني بقوة، مستنداً إلى المرجعية الإسلامية في نقد الفساد والسياسات الحكومية والانحرافات الاجتماعية.

وظهر هذا البعد في عدد من الملفات، من بينها طلبات الإحاطة المتعلقة بالمجلات التي تحمل صورًا عارية، وأغاني الفيديو كليب، ومسابقة ملكة جمال مصر، والإنفاق الحكومي الباذخ.

كما أولى الدكتور محمد مرسي اهتمامًا كبيرًا بالأزهر الشريف، دعما لمكانته العلمية والعالمية، وباعتباره من أهم المؤسسات التي تحافظ على وسطية الإسلام، وهوية الأمة، وريادتها.

ومن أبرز مظاهر هذا الاهتمام، أنه تقدم أثناء عضويته في البرلمان، بالمشاركة مع النائب الأستاذ علي لبن، باستجواب حول ما اعتبره خطرًا يهدد الأزهر ودوره العلمي والحضاري، وتناول فيه قضايا المناهج، والكتاتيب، واستقلال الأزهر، وسيطرة الأجهزة الأمنية على المؤسسة الدينية.

كما تبنت الكتلة البرلمانية، بقيادة الدكتور محمد مرسي، موقفًا من قضية حظر الحجاب في فرنسا، ودعمت تصريحات شيخ الأزهر بشأنها، معتبرة أن القضية تمس عقيدة المسلمين وثوابتهم.

– الاهتمام بالقضايا العربية والإسلامية ورفض التطبيع

لم تغب القضايا العربية والإسلامية عن أداء الدكتور محمد مرسي والكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين داخل مجلس الشعب، إذ احتلت القضية الفلسطينية مكانًا بارزًا في نشاط نواب الإخوان.

وطالب النواب بعقد جلسات خاصة لمناقشة التطورات، وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وفتح باب التبرعات، ودعم الشعب الفلسطيني. كما شهدت جلسات المجلس هتافات ضد الكيان الصهيوني في مناسبات ارتبطت بالانتفاضة الفلسطينية والشهداء الفلسطينيين.

كما أعلن الدكتور محمد مرسي رفضه لاتفاقية الكويز، وتناول ملف تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، ووجه أسئلة حول عدد من الوقائع المتعلقة بالعلاقات المصرية ـ الصهيونية، من بينها قضية الطلاب المصريين المحتجزين في الكيان الصهيوني، وملف عزام عزام.

وفي القضية العراقية، واجه نواب الإخوان الاحتلال الأمريكي للعراق، وقدموا بيانات عاجلة وطلبات إحاطة، ورفضوا السياسات الأمريكية في المنطقة.

كما أصدرت الكتلة البرلمانية بيانًا بتوقيع الدكتور محمد مرسي حول جرائم التعذيب في العراق، اعتبرت فيه أن ما جرى يمثل وصمة عار في سجل السياسة الأمريكية.

أفضل برلماني في دورة 2000–2005

اختير الدكتور محمد مرسي أفضل برلماني في دورة 2000–2005، كما كُرِّم في مؤتمر نقابة الصيادلة عام 2003، وتسلم الجائزة من وزير الصحة الدكتور محمد عوض تاج الدين، بحضور عدد من القيادات النقابية، وذلك تقديرًا لأدائه البرلماني، ولا سيما في القضايا الكبرى، وفي مقدمتها استجواب حادث قطار الصعيد.

ومثّل هذا التكريم اعترافًا بأثر الدكتور محمد مرسي تحت قبة البرلمان؛ إذ لم يكن البرلمان بالنسبة إليه مجرد واجهة سياسية، بل ساحة مواجهة مع أداء الحكومة، وأداة لكشف ملفات الفساد والإهمال، ومنبرًا للدفاع عن المواطنين وقضاياهم.

معاقبة الدكتور مرسي على أدائه البرلماني

في مقابل هذا التكريم النقابي والشعبي، واجه الدكتور محمد مرسي محاولات متكررة للعقاب بسبب أدائه البرلماني.

وكان من أبرز هذه المحاولات الاعتقال المتكرر لنجله أحمد محمد مرسي، الذي كان يدرس بكلية الطب في جامعة الزقازيق. فقد تعرض للاعتقال أكثر من مرة منذ ترشح والده لعضوية مجلس الشعب عام 2000، وانتهى الأمر باعتقاله في سياق أحداث عام 2005.

ويعرض هذا الجانب صورة إنسانية وسياسية في آن واحد؛ إذ كان استهداف الابن يمثل رسالة موجهة إلى الأب، في ظل المواقف التي اتخذها الدكتور محمد مرسي من الحكومة، والتعديلات السياسية، وأداء النظام، فحين كان يتمتع الدكتور مرسي بحصانته البرلمانية، امتد الضغط إلى أسرته، وتحول الابن إلى وسيلة للضغط على والده.

انتخابات 2005..  أجواء أشد قسوة

بعد دورة برلمانية غير مسبوقة، ترشح الدكتور محمد مرسي مرة أخرى في انتخابات عام 2005 عن دائرة الزقازيق.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين قد دفعت بـ 150 مرشحًا على مستوى الجمهورية، فيما احتفظ الدكتور مرسي بالرمز الانتخابي نفسه الذي خاض به انتخابات عام 2000، وهو رمز “الكف”.

وشهدت حملته الانتخابية جولات واسعة في أنحاء الدائرة، حيث طافت المسيرات قرى هرية رزنة، والمسلمية، وبني عامر، وكفر موسى عمران، وشارك فيها عدد كبير من المواطنين والسيارات، واستقبله الأهالي بالزغاريد، وتوزيع الحلوى، والهتافات المؤيدة.

كما استندت الحملة إلى ما قدمه خلال الدورة البرلمانية السابقة من خدمات ومشروعات، من بينها كوبري بردين، وتوسعة محطة مياه الزقازيق، وخط السكة الحديد بين العاشر من رمضان والزقازيق، وجامعة الزقازيق المفتوحة، والطريق الدائري.

لكن الأجواء المصاحبة للانتخابات اتسمت بدرجة أكبر من التوتر، وكانت الخطة تقوم على إسقاط الدكتور محمد مرسي بأي وسيلة، وشملت إجراءات التضييق حملات اعتقال واسعة في صفوف الإخوان المسلمين، خاصة بين وكلائه، ومندوبيه، ومديري حملته الانتخابية، في محاولة لإضعاف فرصه، وتسهيل تزوير الانتخابات لصالح مرشح الحزب الوطني.

التزوير وإسقاط الدكتور مرسي

رغم كل ما سبق، خاض الدكتور محمد مرسي جولة الإعادة في دائرة الزقازيق بعد تقدمه الكبير في الجولة الأولى، إذ حصل على 21983 صوتًا، مقابل 7374 صوتًا لمنافسه خالد زردق، ضابط أمن الدولة السابق ومرشح الحزب الوطني، إلا أن القرار السياسي حينها كان يقضي بإسقاط الدكتور محمد مرسي رغم تقدمه، في إطار توجه أوسع لإسقاط عدد من رموز الإخوان المسلمين في المرحلة الثالثة من الانتخابات.

وفي هذا السياق، حاصرت قوات الأمن عددًا من اللجان التي شهدت كثافة تصويتية لصالح الدكتور محمد مرسي، ومن بينها لجنة مدرسة الناصرية الابتدائية، حيث فرضت قوات الأمن المركزي حصارًا على المدرسة، بما حال دون تمكن المواطنين من الإدلاء بأصواتهم.

ورغم تقدمه في جولة الإعادة بفارق كبير، أعلن القاضي المشرف على الانتخابات، علي النمر، فوز منافسه، وإسقاط الدكتور محمد مرسي، في واقعة مشينة تؤكد على تزوير الانتخابات وإهدار أصوات الناخبين.

كما أصدرت نقابة المحامين آنذاك قائمة بأسماء عدد من القضاة وأعضاء الهيئات القضائية، أطلقت عليها “القائمة السوداء”، وقالت إنها تضم من تورطوا في تزوير الانتخابات في بعض الدوائر ومن بينها دائرة الدكتور محمد مرسي.

ما بعد 2005.. ذاكرة انتخابية واستمرار الأثر

لم تتوقف تجربة الدكتور محمد مرسي البرلمانية بانتهاء انتخابات عام 2005، بل استمر حضوره السياسي من خلال دوره رئيسًا ومشرفًا على القسم السياسي بجماعة الإخوان المسلمين، حيث واصل توجيه ودعم نواب الجماعة في برلمان 2005- 2010 .

وانعكس هذا الدور على أداء الكتلة البرلمانية خلال تلك الدورة، وما حققته من إنجازات داخل مجلس الشعب.

سمات الدكتور محمد مرسي البرلمانية

تكشف تجربة الدكتور محمد مرسي في البرلمان عن مجموعة من السمات التي شكلت حضوره النيابي وأسلوبه في العمل العام.

– الجسارة وعدم الخوف

حيث كان يتقدم الصفوف في الحملات الانتخابية، ويواجه أجهزة الأمن، ويرفض أن تسيطر الرهبة على أنصاره ومؤيديه.

– القدرة على القيادة الجماعية

فلم يكن نائبًا يعمل بصورة فردية، بل قاد كتلة برلمانية استخدمت آلاف الوسائل الرقابية، وفرضت حضورًا قويًا داخل مجلس الشعب.

– الانضباط في استخدام الأدوات البرلمانية

وهو ما ظهر ذلك في الاستجوابات، وطلبات الإحاطة، والأسئلة، والبيانات العاجلة، والاقتراحات التشريعية، بما عكس اعتمادًا منهجيًا على الأدوات الرقابية التي يتيحها العمل البرلماني.

– الجمع بين العمل المحلي والوطني

حيث جمع بين متابعة قضايا دائرته، مثل المدارس، والصرف الصحي، والطرق، والعلاج، وبين الانخراط في القضايا الوطنية، مثل الدستور، والطوارئ، والحريات، إلى جانب القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها فلسطين والعراق.

– الخطاب الإسلامي السياسي

فقد ربط بين الإصلاح السياسي والمرجعية الإسلامية، واستحضر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في عدد من مناقشاته البرلمانية.

– الاعتماد على المعرفة الفنية

حيث استفاد من خلفيته العلمية، خاصة في الملفات المرتبطة بتخصصه، مثل كارثة قطار الصعيد، وقضايا السلامة الفنية، وهو ما انعكس على طبيعة مداخلاته واستجواباته.

– النزاهة الشخصية

فقد خرج من البرلمان دون أن تتضخم ممتلكاته أو أرصدته البنكية، أو يحقق منفعة مادية شخصية له أو لأحد من أقاربه أو معارفه، بل ظل العمل البرلماني بالنسبة إليه عبئًا أكثر منه مكسبًا.

خاتمة

تكشف تجربة الدكتور محمد مرسي في البرلمان عن مسار سياسي متدرج بدأ بالمشاركة في الدعم الفني للكتلة البرلمانية خلال تجربة عام 1987 م، ثم مرَّ بمعركة انتخابات 1995 م التي جرت في أجواء من القمع والتزوير، قبل أن يصل إلى الفوز بعضوية مجلس الشعب في انتخابات عام 2000 م، ورئاسة الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، ثم تنتهي تجربته النيابية المباشرة مع انتخابات عام 2005 م .

وخلال دورة 2000 – 2005 م، قدم الدكتور محمد مرسي نموذجًا للنائب الذي جمع بين خدمة دائرته ومراقبة أداء الحكومة وقيادة المعارضة البرلمانية وخوض المعارك السياسية والدستورية والحقوقية، وذلك من خلال الاستجوابات الكبرى ومناقشة بيانات الحكومةورفض قانون الطوارئ والدفاع عن الحريات ومواجهة الفساد والإهمال، حتى أصبح حضوره تحت قبة البرلمان جزءًا من ذاكرة المعارضة المصرية في تلك المرحلة.

وإذا كان المحللون يصفونه بأنه “البرلماني الذي أتعب من بعده”، فإن هذا الوصف، يستند إلى مسيرة امتدت من التعرف المبكر على العمل البرلماني، ثم خوض التجربة نائبًا منتخبًا، ورئيسًا لكتلة برلمانية، قبل أن تنتهي بإقصائه من البرلمان بعد انتخابات عام 2005 م بالضغوط السياسية والتزوير الذي تعرض له.

موضوعات مرشحة