تأسيس البدايات
شكل الدين والهوية الحضارية الإسلامية المرجعية الرئيسية في بناء شخصية الرئيس محمد مرسي، وفي توجيه مواقفه وسلوكياته منذ نشأته الأولى وحتى وفاته.
وكان القرآن الكريم والسنة النبوية هما الوعاء المعرفي والدستور الفكري الذي استقى منهما رؤيته الكلية للحياة، واستمد منهما قيمه المركزية، الأمر الذي ظهر بصورة تطبيقية في شؤونه الخاصة والعامة على حد سواء.
بدأ الرئيس محمد مرسي حياته في قريته بالالتحاق بكتّاب قرية “العدوة”، حيث حفظ أجزاءً من القرآن الكريم، وكان محافظاً على صلاة الجماعة في المسجد منذ صغره بصحبة والده، وكان لهذا التأسيس الإسلامي المبكر أثر مباشر على شخصيته وفي تميزه الدراسي، ليتابع هذا المسار الإيماني بعزم حيث أتم حفظ القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، وأصبح معروفاً بإتقانه الشديد لتلاوته وضبطه لأحكامه.
وعُرف في محيطه الاجتماعي ببره الشديد لوالديه وصلته الدائمة لرحمه ؛ فحتى بعد صعوده إلى سدة المسؤولية السياسية واعتلائه منصب رئاسة الجمهورية، ظل حريصاً على زيارة أهله في مسقط رأسه بقرية العدوة، مرسخاً قيمة التواضع والوفاء لجذوره.
واقترن التميز العلمي والسياسي للرئيس في مراحل التعليم المختلفة بالتفوق الأخلاقي، ومن شدة تعلقه بوالده طلب من أبنائه في وصيته الأخيرة وهو في السجن، أن يدفن بجوار والده في مسقط رأسه بالشرقية، إلا أن سلطة الانقلاب العسكري حالت دون ذلك.
الارتباط بالإخوان
بدأ د. محمد مرسي الميل إلى الانخراط في العمل الإسلامي أثناء دراسته في مرحلة الماجستير عام 1978م، حيث كان يتفاعل مع الدروس الدعوية للشيخ محمد الغزالي والشيخ إبراهيم عزت والتي كانت تملأ الآفاق وتجذب كثيراً من الشباب.
وشهد عام 1979م محطة مفصلية في السير الدعوي والفكري للدكتور محمد مرسي؛ فبينما كان يخوض غمار دراسته الأكاديمية لنيل درجة الدكتوراه في الهندسة بالولايات المتحدة الأمريكية، تعرف على دعوة الإخوان المسلمين وارتبط رسميا بها؛ إذ وجد في منهجها وسطية الفكر، وشمول الدعوة، وتوازن المنهج، بما يتسق تماماً مع روح الإسلام السمحة التي نشأ عليها وتربى في ظلالها.
وقد حرص في فترة الغربة (1979 – 1985) على الانتظام في حضور الأنشطة الدينية والدعوية بالمركز الإسلامي بجنوب كاليفورنيا؛ رغبة منه في الحفاظ على هويته الإسلامية وثوابته وقيمه وسط مجتمع غربي، وكانت له إسهاماته الدعوية خلال هذه الفترة، حيث شارك في قيادة العمل الطلابي والدعوة، مستنداً إلى اطلاع واسع على مصنفات الفكر الإسلامي المعاصر ومباحث العلوم الشرعية.
وعقب عودته إلى مصر في منتصف الثمانينيات، انتظم الدكتور مرسي مع جماعة الإخوان المسلمين بمحافظة الشرقية، وانخرط في كافة المناشط الدعوية المختلفة للجماعة وشارك في عدد من الدورات المتخصصة في صياغة المناهج الفكرية والدعوية.
هذا التكوين الشرعي المتين وطبيعة الشخصية القيادية، مضافاً إليه المنطق الرياضي والمنهجية المنظمة التي اكتسبها من تخصصه الدقيق كعالم في هندسة المواد والفلزات، أهله للقيام بأدوار دعوية داخل جماعة الإخوان المسلمين، حيث تولى مسؤوليات الإشراف على العمل الطلابي والجامعي والخدمي على مستويات إدارية متعددة .
الدعوة من خلال السياسة
نظراً لاطلاعه الواسع وثقافته الشرعية والسياسية الكبيرة، تم اختيار الدكتور مرسي في عام 1992 عضواً في “القسم السياسي” بجماعة الإخوان المسلمين، حيث ساهم بفاعلية في صياغة ومناقشة الرؤى السياسية والفكرية للجماعة، ومن أبرز إسهاماته في هذا الإطار مشاركته في مناقشة “وثيقة المرأة والمواطنة” التي صدرت عن الإخوان عام 1994، والتي استهدفت الحفاظ على قيم الأسرة وتماسك المجتمع طبقاً للرؤية الإسلامية، في مواجهة الموجات الفكرية الوافدة التي كانت تستهدف المنظومة الأخلاقية آنذاك.
وبناءً على حضوره الاجتماعي والإصلاحي الملموس وسيرته الحسنة في محيطه، جرى تقديمه مرشحاً للانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب عام 1995 عن دائرة ههيا تحت شعار (الإسلام هو الحل)، إلا أن تزوير الانتخابات من قبل النظام حينها حال دون دخوله البرلمان.
ومع انتشار أثره الفكري والاجتماعي في محافظة الشرقية، ترشح عام 2000 لمجلس الشعب عن دائرة الزقازيق وفاز باكتساح كبير تعبيراً عن الثقة الشعبية الجارفة في أمانته، ليتم اختياره رئيساً للكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين والمتحدث الرسمي باسمها.
وقد قاد الدكتور مرسي خلال رئاسته للكتلة البرلمانية جهودا تشريعية كبيرة لتعديل القوانين القائمة لتتطابق مع الشريعة الإسلامية، استناداً إلى نص المادة الثانية من الدستور التي تعتبر الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع، حيث وقف بصلابة وبعلم شرعي راسخ في وجه التشريعات والاتفاقيات الدولية التي تتصادم مع القيم الإسلامية، لا سيما تلك المتعلقة بقضايا الأسرة والمرأة، والمنظومة الأخلاقية والاجتماعية، دفاعاً عن الهوية الإسلامية للدولة. كما اهتم بقضايا الناس ومصالحهم ومعاشهم واعتبرها من المقاصد الرئيسية في السياسة الشرعية.
القيادة الدعوية وفهم الولاية العامة
تم اختيار الدكتور مرسي عضواً بمجلس الشورى العام لجماعة الإخوان المسلمين، ثم تم انتخابه عضواً بمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين عام 2003م، وفي عام 2005 م، أُسندت إليه مسؤولية الإشراف على “القسم السياسي” بالجماعة، ليكون مسؤولاً عن رسم الاستراتيجيات السياسية الكبرى، وفي 27 يناير 2010 م، جرى اختياره متحدثاً إعلامياً باسم الجماعة، وعقب ثورة يناير وفي أبريل 2011 م تم اختياره رئيساً لحزب “الحرية والعدالة” الذي أسسته جماعة الإخوان المسلمون لكل المصريين.
وعقب الإعلان الرسمي عن فوز الرئيس محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية في 24 يونيو 2012 م، أعلن الدكتور مرسي استقالته من رئاسة حزب الحرية والعدالة ومن جميع مناصبه التنظيمية داخل جماعة الإخوان المسلمين ؛ وذلك بهدف الفصل التام والواضح بين الحزب والدولة، وتأكيداً على فك الارتباط بين مؤسسة الرئاسة كجهة سيادية تمثل كافة أطياف الشعب المصري، وبين الحزب الحاكم أو الجماعة، وذلك في إطار الرؤية المستقرة لجماعة الإخوان المسلمون من أن يكون رئيس الجمهورية رئيسا لكل المصريين.
معالم الرؤية الشرعية والدعوية في إدارة الدولة
مارس الدكتور مرسي العمل السياسي عقوداً من الزمن وفق برنامج يرتكز على مرجعية إسلامية، وابتلي بسبب توجهه الإسلامي بالاعتقال والتضييق في عصر مبارك، وعندما اعتلى سدة الرئاسة، أعلن بوضوح أنه يحمل مشروعاً إصلاحياً يرتكز على الإسلام ويستمد مضمونه من شريعته الغراء.
وقد حرص الرئيس مرسي انطلاقا من مرجعيته الإسلامية على تعزيز استقلال ومكانة الأزهر الشريف، فقد كان يرى في الأزهر الشريف صمام الأمان لحفظ هوية المجتمع وقيمه وفق تعاليم الإسلام الوسطية، وتجلى ذلك في تأكيده أثناء زيارته للأزهر في يوليو 2012م على دعمه الكامل لمؤسسة الأزهر الشريف واستقلالها، كما أكد حرصه أثناء صياغة دستور الثورة عام 2012 م من خلال النص على منح هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف دوراً استشارياً في مراجعة القوانين للتأكد من عدم مخالفتها للشريعة، مما عُد خطوة تأسيسية نحو تأصيل المرجعية الفقهية الرسمية المنضبطة.
وقد أعرب الرئيس مرسي عن فهمه المقاصدي للشريعة الإسلامية وهو ما عبّر عنه بقوله: ” إن الشريعة الإسلامية ليست مجرد حدود وعقوبات كما يروج البعض، ولكنها تبدأ بالعدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل، والقضاء على الفقر، وكفالة حق العلاج والتعليم، وأن المشروع الإسلامي هو مشروع بناء الإنسان والدولة أولاً”.
أهم السمات الأخلاقية والربانية في شخصيته
تميز الرئيس محمد مرسي بسمات نفسية وإيمانية استمدها من تكوينه الشرعي والدعوي، وبدت واضحة في مواقف ومحطات فاصلة وكان من أبرزها:
- الاستمساك بالقرآن الكريم وتعهده: فلم تكن علاقة الدكتور مرسي بالقرآن مجرد حفظ عابر، بل كانت ركيزة لحياته الروحية اليومية حتى في أحلك الظروف، وكان يذكر نفسه بمقام المسؤولية والمراقبة، فكتب على مكتبه في مقر الرئاسة الآية الكريمة: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
[ البقرة: 281] ، وقد نقلت أسرته وفريق دفاعه القانوني في تقارير متعددة أنه أتم مراجعة وتثبيت القرآن الكريم كاملاً “عن ظهر قلب” عدة مرات داخل محبسه الانفرادي الذي امتد لست سنوات، نظراً لمنع دخول الكتب والمصاحف عنه لسنوات طويلة. - الزهد والتعفف عن المال العام: انطلق الرئيس مرسي في ممارسته للسلطة من منظور إسلامي يرى الرئاسة تكليفاً شرعياً وأمانة يُسأل عنها أمام الله، وليس تشريفاً أو مغنماً؛ إذ رفض التوقيع على أي قرارات أو وثائق تمنحه امتيازات مالية، ولم يتقاضَ راتبه الرئاسي طوال عام حكمه، ورفض أن تسكن أسرته في القصور الرئاسية، مفضلاً البقاء في شقته المستأجرة، كما منع تعليق صوره في المصالح الحكومية، وحرص على دفع ثمن نفقات إقامته وطعامه هو وأسرته من ماله الخاص طوال فترة تواجده في القصر الجمهوري، وعندما توفيت شقيقته “فاطمة” عام 2012 م، أصر على تحمل تكاليف علاجها بالكامل من ماله الخاص ورفض علاجها على نفقة الدولة، ورفض نشر أي برقيات تعازي بالصحف حِفاظاً على المَال العَام.
- الاعتزاز بالهوية والدفاع عن المقدسات: فقد شكلت نصرة النبي ﷺ ثابتاً في خطابه الدولي؛ ففي أول خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 م (عقب أزمة الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم)، خصص جزءاً كبيراً من كلمته باللغة العربية للدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم، قائلاً بقوة: “إننا نرفض الفكر الذي ينتج إساءة لنبي الإسلام، ونطالب بوضع حد للموجات الموجهة ضد مقدسات المسلمين” وقال ” نحب من يحب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ونعادي من يعاديه بقول أو عمل “، مؤكداً أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون مسوغاً لتناول المقدسات.
- نصرة قضايا الأمة: تعامل الرئيس مرسي مع قضايا الأمة من منطلق رابطة الأخوة الإسلامية وفريضة إغاثة المنكوبين؛ ففي قضية فلسطين، اعتبر العدوان على غزة عدواناً على مصر مطلقاً عبارته الشهيرة: “لن نترك غزة وحدها“، وأمر بفتح معبر رفح بشكل دائم لتدفق المساعدات الإنسانية والطبية كسرًا للحصار، وترسيخا لمفهو “الجسد الواحد” ، وفي القضية السورية بادر بقطع العلاقات مع النظام السوري نصرةً للمستضعفين، ومعلناً في مؤتمر “نصرة سوريا” أن مصر تقف مع خيارات الشعب السوري الحرة
- الصدع بالحق والثبات على المبدأ: اتسمت مواقف الرئيس مرسي برسوخ المبادئ ورفض تقديم أي تنازلات تمس الشرعية الدستورية، معتبراً الثبات على المبدأ من أهم القيم الشرعية، وركز في أدبياته على مفهوم “العدل” باعتباره فريضة شرعية وضرورة سياسية.
- الصبر والثبات عند الابتلاء: وقد برزت قيمة الصبر والرضا بقضاء الله خلال فترة سجنه ومحاكمته (2013-2019)؛ فقد حباه الله تماسكا نفسيا وثباتا في الموقف رغم وضعه في قفص زجاجي عازل، فجاد بأنفاسه الأخيرة في المحكمة يوم 17 يونيو 2019 م مستشهداً بالآية الكريمة: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).
خاتمة
تقف القراءة المستفيضة والمنصفة في السيرة الفكرية والدعوية للدكتور محمد مرسي لتقدم برهاناً تاريخياً ساطعاً على ملامح شخصية فذة؛ لم تكن مجرد لاعب سياسي يتحرك وفق تكتيكات دبلوماسية عابرة، بل كان نموذجاً فريداً لـ العالم العابد الفقيه، الذي جمع باقتدار بين فقه الدين والدنيا، وساس أمور الرعية من منظور الإسلام الشامل الذي لا يفصم الآخرة عن الأُولى، ولا ينزع الأخلاق والورع عن الحكم في سدة السلطة.
لقد تجلت رؤية الرئيس في عمق فهمه لمقاصد الدين، من خلال النظر إلى الشريعة الإسلامية باعتبارها ميداناً حياً للعدالة الاجتماعية، وكفالة عيش المستضعفين، ومحاربة الفقر والجهل، ليقدم نموذجاً نقياً يتجاوز الرؤى الضيقة وليبرهن على أن فقه الشريعة هو صيانة لكرامة الإنسان وبناء للدولة أولاً.
إن الحقائق التاريخية والدعوية تؤكد بوضوح أن التآمر والانقلاب الأثيم الذي حيك ضد الرئيس مرسي، لم يكن يستهدف شخصه، بل كان استهدافاً مباشراً للمشروع الإصلاحي الإسلامي الذي صدع به ولم يداهن فيه أحداً؛ ليرحل عن هذه الدنيا ثابتاً على الحق، متمسكاً بمبادئه، وليلفظ أنفاسه الأخيرة أمام قاضي الأرض، ومفوضاً أمره لقاضي السماء، ولتظل سيرته فصلاً منيراً ملهماً، يوثق تاريخ حاكم مسلم، نصر قضايا أمته، حافظا لكتاب ربه، وقد عصف بكل الامتيازات والمغانم التي أتيحت له، ليثبت أن الحاكم الرباني يملك الاتزان النفسي والعمق الشرعي ما يربأ به عن المداهنة، وليلقى الله شهيداً بعد أن حمل الأمانة وتحمل المسؤولية.


