النبوغ منذ الصغر
في بيئة ريفية بسيطة، ولد محمد محمد مرسي عيسى العياط في يوم الأربعاء 20 أغسطس من عام 1951، بقرية «العدوة» التابعة لمركز «ههيا» بمحافظة الشرقية، حيث بدأت أولى خطوات نبوغه المعرفي داخل «الكتاب» فحفظ أجزاء من القرآن الكريم في هذه المرحلة، ثم أتم حفظه لكتاب الله كاملا لاحقا في أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
والتحق بعد ذلك بمدرسة العدوة الابتدائية، موازناً في تلك المرحلة الغضة بين يومه الدراسي الذي أظهر فيه تفوقا على أقرانه من ناحية، ومساعدة والده في أعمال الزراعة خلال فترات ما بعد الدراسة والإجازات الصيفية.
انتقل بعد ذلك إلى مدرسة «ههيا الإعدادية»، وكان يقطع مسافة تقدر بعدة كيلومترات يوميا ذهابا وإيابا سيرا على الأقدام نظرا لعدم وجود مدرسة إعدادية حينها في قريته، ورغم ذلك اجتاز المرحلة الإعدادية بتفوق كبير.
وفي المرحلة الثانوية (1966 – 1969)، انتقل للدراسة في مدرسة «أحمد عرابي الثانوية» بمدينة الزقازيق عاصمة المحافظة، حيث التحق بالقسم العلمي (تخصص رياضيات)، وكانت هذه المرحلة تتطلب منه الاستيقاظ فجرا ليستقل “قطار الشرقية” أو سيارات الأجرة من مركز ههيا إلى الزقازيق، وقد توج الله جهده بالتفوق، ليكون من الأوائل على مستوى الجمهورية وبمجموع أتاح له دخول كليات القمة بلا استثناء.
المسار الجامعي والتخصص الدقيق في هندسة الفلزات (1969 – 1975)
نزولا عند رغبة والده في أن يكون ضابطا بالقوات المسلحة، التحق الشاب محمد مرسي بالكلية الفنية العسكرية عام 1969م واستمر فيها لعدة أشهر، إلا أن شغفه الداخلي ورغبته في أن يكون عالما في مجال الهندسة، جعلاه يطلب من والده تحويل أوراقه إلى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، ليبدأ مسيرته هناك من عام م1970 حتى عام 1975م، ليقيم طوال تلك الفترة في المدينة الجامعية بمحافظة الجيزة.
اجتاز السنة الإعدادية العامة بتفوق واختار الالتحاق بتخصص «هندسة الفلزات» وهو أحد التخصصات الدقيقة والصعبة التي كانت منبثقة آنذاك عن قسم هندسة المناجم والبترول والفلزات أو ما يُعرف تاريخياً باسم قسم التعدين.
تميزت المناهج بطبيعتها المعملية المكثفة والاعتماد الكامل على الرياضيات البحتة، الكيمياء الصناعية، والفيزياء التطبيقية، حيث تفرغ لدراسة علوم استخلاص المعادن من خاماتها، تشكيل المعادن والسبائك والمعالجة الحرارية ومقاومة تآكل المعادن، ليقضي ساعات طويلة داخل معامل وورش الكلية.
وفي مايو 1975، تخرج الطالب محمد مرسي حاصلا على بكالوريوس الهندسة بتقدير عام متراكم امتياز مع مرتبة الشرف، وكان ترتيبه “الأول” على دفعته، وصدر قرار تعيينه رسميا من إدارة جامعة القاهرة في وظيفة “معيد” في 14 أغسطس عام 1975 ليبدأ مسيرته كعضو هيئة تدريس.
الخدمة العسكرية ومرحلة الدراسات العليا (1975 – 1978)
بعد أسابيع قليلة من تعيينه معيدا، حل عليه الدور لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية في أواخر عام 1975 م، وجرى توزيعه على “إدارة الحرب الكيميائية” التابعة للقوات المسلحة المصرية، وهو السلاح الذي تطابق تماما مع تخصصه الأكاديمي والدقيق في الكيمياء الصناعية وهندسة الفلزات والمعادن من حيث التعامل مع المواد الكيميائية والوقاية منها، وأنهى خدمته العسكرية عام 1976م.
وفور انتهاء تجنيده، عاد إلى موقعه معيدا بجامعة القاهرة وسجل أطروحة الماجستير، وتركزت أبحاثه المعملية حول “المعالجات الحرارية للمعادن” وتأثيرها على البنية المجهرية والخواص الميكانيكية للفلزات وكفاءتها، لينال درجة الماجستير في هندسة الفلزات عام 1978 م، ويترقى وظيفيا إلى درجة “مدرس مساعد” بجامعة القاهرة في 10 يونيو 1979 م.
الهجرة العلمية والدكتوراه في أمريكا (1978 – 1985)
ونتيجة لتفوقه في مجاله، حصل على منحة دراسية من بروفيسور كروجر من جامعة جنوب كاليفورنيا (USC) بمدينة لوس أنجلوس لنيل درجة دكتوراه في الهندسة من جامعة جنوب كاليفورنيا.
ووقع اختيار الدكتور مرسي على تخصص أدق وهو “علم المواد”، حيث ركزت أطروحته للدكتوراه على بحث “تآكل المعادن عند درجات الحرارة المرتفعة”، وبحثت بالتحديد في تأثير أكاسيد الألومنيوم والطلاءات الواقية لحماية محركات الدفع النفاث ومحركات مركبات الفضاء من التآكل الحراري والاحتكاك.
وقد حظي مشروعه البحثي على اهتمام من وكالة الفضاء الأمريكي NASA، حيث تشير وثائق الجامعة إلى الاستفادة من مشاريعه البحثية في تطوير محركات الفضاء من قبل بعض الشركات والوكالة الفيدرالية.
نال درجة الدكتوراه عام 1982 م، وانتقل بعدها مباشرة إلى العمل الأكاديمي في الولايات المتحدة الأمريكية ؛ حيث عُين بوظيفة “أستاذ مساعد” في جامعة ولاية كاليفورنيا في نورثردج، وهي جامعة حكومية تقع في منطقة وادي سان فيرناندو بمدينة لوس أنجلوس، واستمر فيها قرابة ثلاث سنوات قام خلالها بتدريس مقررات هندسة المواد، وميكانيكا المواد، والديناميكا الحرارية لطلاب البكالوريوس والماجستير.
العودة والمسار الأكاديمي بجامعة الزقازيق
رغم تلقيه عروضا مغرية للبقاء في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه آثر الاعتذار عنها وقرر العودة النهائية إلى وطنه في أغسطس 1985 لخدمة الجامعات المصرية.
وتم تعيينه بعد عودته في كلية الهندسة بجامعة الزقازيق بدرجة “مدرس” بقسم هندسة المواد (الفلزات) في 30 ديسمبر 1985م .
وفي عام 1989، سافر لفترة وجيزة للعمل كأستاذ جامعي في جامعة الفاتح بالعاصمة الليبية طرابلس، ثم عاد ليتابع تدرجه الأكاديمي بجامعة الزقازيق.
ترقى إلى درجة “أستاذ مساعد” بتاريخ 23 نوفمبر 1993 م، ثم نال ترقيته إلى درجة “أستاذ” (بروفيسور) بتاريخ 21 أكتوبر 2003 م، وتولى في العام ذاته منصب “رئيس قسم هندسة المواد” بكلية الهندسة بجامعة الزقازيق.
خلال مسيرته العلمية والأكاديمية، شارك في عشرات الدراسات التطبيقية الهامة منها دراسة مشروع “ترعة السلام” إلا أن نظام المخلوع مبارك لم يعمل بالدراسات العلمية بشكل دقيق مما أضر بالمشروع لاحقا.
كما أشرف وشارك في مناقشة وإجازة العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه لطلاب الدراسات العليا بجامعتي الزقازيق والقاهرة كعضو لجان مناقشة خارجية، وتركزت الأبحاث التي رعاها حول تكنولوجيا تشكيل المعادن، والسبائك، والمعالجات الحرارية.
أظهر الرئيس مرسي تعففا معهودا عنه، فعقب انتخابه رئيسا للجمهورية عام 2012؛ رفض رفضا قاطعا تقاضي أي راتب أو مستحقات مالية من الجامعة طوال فترة توليه الرئاسة.
في أعقاب انقلاب يوليو 2013 م واختطافه القسري، اتخذت إدارة جامعة الزقازيق في 14 يونيو 2015 م قرارا تعسفيا وغير قانوني بفصله من عمله كأستاذ بكلية الهندسة بحجة “الانقطاع عن العمل”، وذلك بالمخالفة للائحة المنظمة للجامعات المصرية، وتوج هذا القرار الإقصائي بمنع صرف مستحقاته المالية وعوائد سنوات خدمته الطويلة في ردهات الجامعة.
خاتمة
تظل القراءة الفاحصة في السيرة العملية والأكاديمية للدكتور محمد مرسي كاشفة عن ملامح رحلة علمية استثنائية لم تكن يوما سهلة؛ بل كانت مسيرة عصامية محضة، شيدت خطواتها بلبنات الكد، والجهد الصارم، والاجتهاد الدؤوب، حيث تدرج من طفل يساعد والده في حقول قرية ريفية ويقطع الكيلومترات سيرا على الأقدام طلبا للعلم، إلى طالب مغترب يبحث في أدق تكنولوجيا أسطح المعادن ومحركات الفضاء تحت رعاية كبرى الوكالات العالمية، بما ينم عن ذكاء فذ واتزان نفسي وإيماني قوي، بما أهله من تجاوز صعوبات التكوين وصقل موهبته العلمية حتى ارتقى قمة التفوق الأكاديمي.
سيقف التاريخ كثيرا أمام نبوغ هذا العالم، وعصامية هذا الأستاذ، شاهدا على كلفة المبدأ في مواجهة عواصف السياسة.


