يبدي الإسلامي الساعي إلى رئاسة مصر ثقته بأن منافسيه الليبراليين سيتجاوزون مخاوفهم من الحكم الديني، ويصوتون له ليحقق الفوز في جولة الإعادة أمام جنرال سابق يراه وريثًا للنظام القديم القمعي.
وفي أول مقابلة له مع وسيلة إعلام دولية منذ فوزه في اقتراع الجولة الأولى، سعى محمد مرسي، مرشح جماعة الإخوان المسلمين، إلى استمالة ثوار العام الماضي، متعهدًا، إذا انتُخب، بإبقاء حسني مبارك، الرئيس الذي أطاحوا به، في السجن إلى الأبد، أيًا كان الحكم الذي ستصدره المحكمة بحقه يوم السبت.
وقال مرسي لرويترز يوم الخميس: «لا يمكن الإفراج عن مبارك»، وذلك بينما كان هو — والحركة السياسية التي نقلته في غضون أسابيع قليلة من شخص غير معروف إلى صدارة السباق — يعملان على كسب الليبراليين المحبطين، الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار عسير بين الإسلامي وآخر رئيس وزراء لمبارك.
وفي الأيام الثلاثة التي انقضت منذ أن أكدت نتائج الجولة الأولى، التي جرت الأسبوع الماضي، أن مرسي، المهندس البالغ من العمر 60 عامًا والذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة، سيواجه أحمد شفيق، القائد السابق للقوات الجوية الذي لا يزال يذكر مبارك بوصفه قدوة له، لم يحصل بعد على تأييد أي من المرشحين الرئيسيين الخاسرين.
وطرح عددًا من السياسات الرامية إلى استمالة الوسط، وشدد على أنه بات البديل الوحيد عن استمرار الحكم العسكري، مهما تكن التحفظات على جماعة الإخوان التي لا تزال تساور من أطلقوا الاحتجاجات ضد مبارك.
وقال مرسي، واضعًا نفسه في موقع وريث الثورة، وهو ما يقول منتقدو الجماعة إنها لا تستحقه بسبب ترددها في مواجهة مبارك: «هذه الأمة وهذا الشعب، اللذان ثارا على مبارك، لن يقبلا نظامه مرة أخرى».
غير أن الحركة أظهرت أنها أكبر قوة منفردة بين جموع المصريين، إذ فاق تأييدها بفارق كبير تأييد الليبراليين العلمانيين في المدن، الذين كانوا أول من نزل إلى الشوارع في العام الماضي. ومن شأن فوز مرسي أن يضع جماعة الإخوان، التي تملك بالفعل أكبر كتلة في البرلمان، على رأس جميع هيئات الحكم الرئيسية في مصر بعد أن يسلم الجيش السلطة بحلول يوليو.
ومن شأن ذلك أن يوسّع المكاسب التي حققها الإسلاميون في أنحاء شمال أفريقيا.
لكن مرسي لا يستطيع ضمان الفوز في الاقتراع المقرر يومي 16 و17 يونيو، بعدما حقق شفيق، الذي عينه مبارك في الأيام الأخيرة من حكمه، صعودًا مفاجئًا إلى جولة الإعادة، مستفيدًا من أصوات مصريين يتوقون إلى استعادة النظام العام بعد 15 شهرًا من الاضطرابات منذ الإطاحة بمبارك.
وسعياً إلى توسيع قاعدة تأييده، مد مرسي يده إلى منافسيه الذين خسروا في الجولة الأولى، قائلًا إنه يفتح مناصب نواب الرئيس، بل وحتى رئاسة الوزراء، أمام شخصيات من خارج جماعته. كما حاول استمالة الليبراليين والمسيحيين المتوجسين، مؤكدًا أنه لن يفرض، إذا تولى الرئاسة، قيودًا إسلامية على المجتمع.
ومع اقتراب جولة الحسم، يحظى مرسي بدعم المسلمين السلفيين شديدي المحافظة، الذين يسيطرون على ثاني أكبر كتلة برلمانية. لكنه لم يحصل بعد على تأييد واضح من أي من مرشحي الوسط الرئيسيين الذين خرجوا من الجولة الأولى، وقد يكون في حاجة فعلية إلى دعمهم كي يفوز.
وقال مرسي في المقابلة التي أُجريت في فندق على مشارف القاهرة: «إذا لم يدعموا مرشح الثورة، ولم يدعموا مسيرة الاستقرار والحرية الحقيقية… فمن سيدعمون؟»
وأضاف: «أنا على يقين من أنهم سيدعمون طريق الثورة».
استقطاب
لم يحصل مرسي ولا شفيق على أكثر من ربع الأصوات التي أُدلي بها في الأسبوع الماضي، ما ترك شريحة كبيرة من الناخبين قلقة إما من تولي إسلامي محافظ السلطة، وإما من إعادة السلطة إلى العسكريين الذين حكموا مصر على مدى 60 عامًا.
وفي ظل الاستقطاب الحاد في البلاد، لم يسع مرسي إلى تقديم نفسه بوصفه الوريث الشرعي للثورة المناهضة لمبارك فحسب، بل رفض أيضًا ادعاء حملة شفيق أنه وحده يملك خبرة الحكم اللازمة للوفاء بالوعود.
وقال مرسي، الذي تعهد بالاستقالة من جماعة الإخوان وحزبها إذا انتُخب، حتى يكون رئيسًا للدولة بلا انتماء حزبي: «لم يحقق النظام القديم شيئًا للشعب المصري. لقد كان نظامًا فاشلًا… ولن يأتي منه شيء جديد، بل مجرد استمرار للقهر والكبت».
ويستطيع مرسي الاعتماد على شبكة منضبطة من مؤيدي جماعة الإخوان دفعت به إلى جولة الإعادة، بعدما مُنع مرشح أشهر منه بكثير من داخل الحركة من خوض الانتخابات.
لكن شفيق أظهر أن لديه هو الآخر قاعدة ملتزمة من المؤيدين؛ بعضهم ساند النظام القديم، وبعضهم يساوره قلق عميق من أن تتحول أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان إلى دولة دينية على غرار أغنى دولة عربية، السعودية.
وقال مرسي إنه واثق من نزاهة اقتراع الإعادة، لكنه أضاف أن الموالين لحزب مبارك الوطني الديمقراطي، الذي حُلّ قسرًا بعدما هيمن على السلطة لعقود، «يعملون الآن على الأرض ويستخدمون وسائل غير مشروعة».
وفي مسعاه إلى مد الجسور، التقى مرسي يوم الأربعاء عبد المنعم أبو الفتوح، الإسلامي المعتدل والعضو السابق في جماعة الإخوان، الذي حل رابعًا في الجولة الأولى، لكنه لم يحصل منه بعد على أي دعم صريح. وقال مرسي إن علاقته جيدة بحمدين صباحي، اليساري الذي حل ثالثًا، لكنه لم يلتق به بعد.
وقال مرسي، وهو ممتلئ البنية ويرتدي نظارة وله خمسة أبناء: «أنا حريص على الحوار وعلى توحيد الصفوف لمواجهة محاولة إعادة الدولة القديمة القمعية».
لكن مسؤولين قالوا إن جماعة الإخوان لم تجر اتصالات مهمة مع عمرو موسى، الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، والذي سبق أن شغل منصب وزير في عهد مبارك، وحل خامسًا. وقال مرسي أيضًا إنه لم يتواصل مع الإصلاحي الليبرالي محمد البرادعي.
«تداول السلطة»
يشكك كثير من الليبراليين في مصر والأقلية المسيحية الكبيرة في البلاد في وعود جماعة الإخوان، بعدما أخلّت بتعهدها بعدم السعي إلى الرئاسة. ويتهم بعضهم الحركة بأنها انتشت بنجاحها في الانتخابات البرلمانية، وأنها عازمة الآن على الاستئثار بالسلطة.
وأصر مرسي، بعدما أفسح الجمود الذي اتسم به ظهوره العلني في بداية السباق المجال لأسلوب أكثر ارتياحًا وحيوية، مستخدمًا الإيماءات لتوضيح أفكاره أثناء المقابلة، على أن برنامجه سيكفل الحريات للجميع، سواء أكانوا مسيحيين أم نساءً أم من غير المنتمين إلى جماعة الإخوان التي تضم مسلمين متدينين.
كما أصر على أن جماعة الإخوان، التي تتمتع بتأييد جماهيري في مصر منذ عقود رغم القمع الرسمي، ملتزمة بالتعددية السياسية و«تداول السلطة».
وقال إن النساء، إذا وصل إلى السلطة، سيتمتعن بحرية ارتداء ما يردن، مرددًا تصريحات أدلى بها هذا الأسبوع قال فيها إنه لن يُطلب من أحد ارتداء الحجاب.
وتراقب إسرائيل أيضًا صعود جماعة الإخوان بقلق، خشية على اتفاق السلام الذي وقعته مع مصر عام 1979. وقال مرسي إن مصر ستلتزم في عهده بالاتفاق، لكنه انتقد إسرائيل لعدم احترامها المعاهدة.
وكان أحد مساعديه قد قال إن مرسي، إذا تولى الرئاسة، سيوكل إلى آخرين مهمة لقاء القادة الإسرائيليين. وحين سُئل في المقابلة عما إذا كان سيجلس مع إسرائيليين، تجنب الإجابة المباشرة، قائلًا إنه سيحكم على إسرائيل من خلال أفعالها: «المسألة لا تتعلق بالجلوس، بل بالأفعال على الأرض».
وكان اتفاق السلام مع إسرائيل حجر الزاوية في سياسة مبارك الخارجية، التي ورثها عن سلفه أنور السادات، الذي اغتاله إسلاميون بعد إبرام المعاهدة. ومن المرجح أن يحمي الجيش المصري هذا الاتفاق، إذ يُتوقع أن يظل لاعبًا مؤثرًا حتى بعد التسليم الرسمي للسلطة إلى رئيس جديد، كما يسهم الاتفاق في حصول الجيش على مساعدات عسكرية أمريكية بقيمة 1.3 مليار دولار سنويًا.
وفيما يتعلق بمصير مبارك، البالغ الآن 84 عامًا والذي تتدهور حالته الصحية، أوضح مرسي أنه، إذا انتُخب، لن يكون ملزمًا بأي قرار يصدره قضاة عُيّنوا في ظل النظام القديم، وكان مقررًا أن يصدروا يوم السبت حكمهم بشأن مسؤولية الرئيس السابق عن الهجمات على المتظاهرين في العام الماضي.
وقال مرشح جماعة الإخوان إنه، بصرف النظر عن ذلك الحكم، سيواصل العمل على كشف أدلة تتيح محاكمة جديدة للرئيس المخلوع، لضمان إدانته بالفساد وتزوير الانتخابات وغير ذلك من الجرائم التي ارتكبها في أثناء توليه السلطة.
وقال مرسي: «عندما أتولى الرئاسة، سيتيح لي ذلك مراجعة القضية والحكم. وبصفتي رئيسًا، أتعهد بإعادة محاكمة قتلة الشهداء».
المصادر والتوثيق
النص الأصلي: طالع النص الأصلي لتقرير رويترز باللغة الإنجليزية (PDF)


