مقابلة الرئيس مرسي مع وكالة الأنباء الروسية “إيتار-تاس”

ستكون الزيارة المقررة للرئيس المصري محمد مرسي إلى روسيا أول زيارة له إلى بلادنا منذ انتخابه رئيسًا للدولة ، ومن المتوقع أن يناقش مع الرئيس فلاديمير بوتين العلاقات الروسية المصرية، بدءًا من المشروعات الجديدة في مجال الاقتصاد وصولًا إلى مشاركة القاهرة وموسكو في تسوية الوضع في سوريا ، وقبيل الرحلة، أجرى الزعيم المصري مقابلة مع ميخائيل غوسمان، النائب الأول للمدير العام لوكالة إيتار-تاس.

المصدر: وكالة الأنباء الروسية إيتار-تاس / روسيسكايا غازيت / االتاريخ: 17 أبريل 2013 م  / المحاور: ميخائيل غوسمان
  • تحل هذا العام الذكرى السبعون لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الاتحاد السوفيتي ومصر. ما الخطط التي تذهبون بها إلى روسيا، وماذا تمثل العلاقات الروسية المصرية بالنسبة إليكم؟

–    إن العلاقات الدبلوماسية المتينة بين مصر وروسيا ذات تاريخ طويل يمتد سبعة عقود. وقد شهدت فترات من التراجع وأخرى من الصعود. ويسعى شعبنا الآن إلى أن تكون مصر الجديدة منفتحة على العالم كله. وتؤدي روسيا دورًا بالغ الأهمية في العالم. ونحن مستعدون لاتخاذ خطوات حاسمة للارتقاء بعلاقاتنا إلى المستوى الرفيع الذي يليق بها.

  • لم يمضِ شهر على لقائكم الرئيس بوتين في ديربان خلال قمة بريكس. وعلى حد علمي، استغرقت محادثتكم مع الزعيم الروسي ضعف الوقت المقرر لها. بل إن ما يسمى «الانسجام الشخصي» نشأ بينكم وبين الرئيس بوتين، بحسب ما قال زملائي الذين كانوا هناك وشاهدوا اللقاء. وأفهم من ذلك أنكم ناقشتم آفاق تطوير علاقاتنا.

–    كان لنا لقاء رائع مع الرئيس بوتين. وشعرت بأنه كان يتحدث بصدق وجدية عن استعداد روسيا لتطوير العلاقات مع مصر. إننا نريد تطوير علاقات بناءة مع جميع الدول، ونعد روسيا صديقًا قديمًا وفيًا لنا، ونريدها أن تظل كذلك الآن، وأن تدعم الشعب المصري في هذه المرحلة الانتقالية من عهد الديكتاتورية إلى عهد جديد في تاريخ مصر. وسيكون ذلك موضوع حديثنا في اللقاء المقبل في موسكو.

  • السيد الرئيس، شهد تاريخ التعاون بين روسيا ومصر مشروعات ضخمة للغاية، مثل السد العالي في أسوان الذي شارك الاتحاد السوفيتي في بنائه، أو مجمع حلوان للحديد والصلب. وأفهم أن الحديث يدور الآن أيضًا عن التعاون في مجال الطاقة. فما المشروعات المحددة التي تعدونها ذات أولوية؟

–     في الماضي، بذل الرئيس المصري جمال عبد الناصر جهودًا هائلة لتعزيز العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، وقد أثمرت تلك الجهود آنذاك. وأرى أن مشروع مجمع حلوان للحديد والصلب كان بالغ الأهمية، وأن الخبرة الروسية والتقنيات والإنجازات العلمية الروسية استُخدمت في تنفيذه. ونريد الآن أن نعود إلى هذا المشروع ونحدّثه. فمجمع حلوان منشأة هائلة تتمتع بإمكانات كبيرة وفرص للتطوير، لكنه واجه مشكلات عديدة بسبب سوء الإدارة. وأريد إحياء هذا المشروع العملاق حتى يواكب العصر. وأنا مستعد للإشراف عليه شخصيًا لأنه يعنيني بصفتي متخصصًا.

لدينا مع روسيا نقاط التقاء كثيرة جدًا في مجال التعاون الثنائي، بما في ذلك تطوير البنية التحتية لقناة السويس وساحل البحر الأحمر. وتمتلك روسيا خبرة واسعة وتقنيات متقدمة في مجال الاتصالات ووسائل التواصل، وصيد الأسماك، والطاقة «النظيفة». وأرى أن روسيا تستطيع أن تؤدي دورًا فاعلًا في هذه العملية، بما في ذلك إعداد الكوادر المهنية وإجراء البحوث العلمية في مجال الطاقة النووية لبناء محطات توليد الكهرباء ومنشآت تحلية المياه، وفي مجالات أخرى.

أما صيد الأسماك، فقد راكمت روسيا خبرة كبيرة في هذا المجال، ولديها أسطول ضخم في بحار مختلفة. ومصر، من جانبها، في أمسّ الحاجة إليه، لما لديها من ساحل ممتد وإطلالة على بحار لا تتجمد. كما نسعى إلى زيادة حجم تجارتنا الخارجية، وتطوير التعاون في مجال البحث العلمي، والاستفادة من التقنيات الروسية. ويهمنا التبادل الثقافي والتعاون في مجالي التعليم والسياحة. وفيما يتعلق بالأخيرة، يزور بلادنا نحو ثلاثة ملايين روسي، ونسعى إلى مضاعفة هذا العدد.

  • للنسر الموجود على شعار مصر جناحان. وأفهم أن أحدهما أفريقي والآخر شرق أوسطي. ومصر واحدة من أكثر دول المنطقة مكانة، وصوتها ومكانتها مهمان جدًا لكل من جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي. ومن هذه الناحية، تتمتع مصر بموقع فريد.

–    لمصر أجنحة كثيرة: أحدها أفريقي، والآخر شرق أوسطي إسلامي، وهناك أيضًا جناح يمتد شمالًا عبر البحر المتوسط نحو أوروبا وروسيا. ونريد أن نبث حياة جديدة في كل هذه الاتجاهات، ونسعى باستمرار إلى تعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية، ولا سيما دول حوض النيل التي تربطنا بها علاقات تاريخية متينة. أما شمال أفريقيا، ففي مقدمتها تونس وليبيا، وهما من دول «الربيع العربي»، وكذلك الجزائر والمغرب. وفي الشرق الأوسط، لا بد من الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الخليج من أجل صون الاستقرار في المنطقة. كما تشغلنا القضية الفلسطينية واحترام حقوق الفلسطينيين، اللذان لا استقرار في المنطقة من دونهما. وبالطبع هناك الوضع في سوريا، الذي سيكون أحد البنود الرئيسية على جدول أعمال المباحثات في روسيا، كما كان في المشاورات السابقة مع الرئيس الروسي. ويتطلب الوضع في سوريا تعاونًا عمليًا. ونحن نرى أن موسكو تؤدي أحد الأدوار القيادية في حل هذه الأزمة، بالنظر إلى الموقف المتزن لقيادتها، الهادف إلى منع انقسام سوريا.

ولدينا أيضًا علاقات تاريخية متينة مع دول الاتحاد الأوروبي، وقد زرت عددًا منها منذ أن أصبحت رئيسًا. ونسعى كذلك إلى الحفاظ على العلاقات مع الهند والصين واليابان وغيرها وتطويرها، ومع الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية في الغرب، وفي مقدمتها البرازيل. كما أود أن أؤكد الدور المهم الذي تؤديه بريكس، وأتمنى انضمام مصر إلى هذه المنظمة، وعندئذ سيصبح اسم هذا التجمع «إي بريكس». وفي الوقت نفسه، لا تسعى مصر إلى تطوير علاقاتها مع بعض الدول على حساب مصالح دول أخرى. لدينا في هذه المرحلة مشكلات كثيرة جدًا ونحتاج إلى الأصدقاء، لكننا ننطلق من أن هذه الصداقة ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

  • أود أن أتطرق بشيء من التفصيل إلى المشكلة السورية. ففي القمة الأخيرة لمنظمة التعاون الإسلامي، طرحتم فكرة قيام «رباعية» إسلامية، تضم مصر وتركيا وإيران والمملكة العربية السعودية، بدور الوسيط في تسوية الوضع في سوريا. إلى أي مدى يمكن أن يكون نشاط «رباعية» الوسطاء هذه فعالًا، وكيف ترون حل المشكلة السورية؟

–    جسدت هذه «الرباعية»، التي طرحت مبادرة إنشائها في قمة منظمة التعاون الإسلامي في مكة، تطلع دول المنطقة إلى تسوية الأزمة. لكن هذه العملية لا يمكن، في الوقت نفسه، أن تتحقق من دون مشاركة دول أخرى ذات ثقل: روسيا والصين والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي من جهة، ودول عربية مثل قطر من جهة أخرى. ونحن نحاول توحيد جهود العالم العربي والمجتمع الدولي بأسره لحل الأزمة. وقد تطورت هذه المبادرة خلال قمة منظمة التعاون الإسلامي في القاهرة يوم 7 فبراير. وخلال تلك القمة، التقيت رئيسي تركيا وإيران، عبد الله غُل ومحمود أحمدي نجاد، واقترحت توسيع «الرباعية» إلى «ثمانية»، بإضافة الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أكمل الدين إحسان أوغلو، والممثل الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الأخضر الإبراهيمي، فضلًا عن ممثلين للمعارضة والنظام السوري. ويُفترض أن تعمل هذه المجموعة بالتعاون مع سائر الأطراف الرئيسية الفاعلة على الساحة الدولية، عند استيفاء جملة من الشروط: الوقف الفوري لإطلاق النار، واستعداد المعارضة، شأنها شأن النظام، لقبول خطة التسوية التي تقترحها «مجموعة الثمانية». وقد التقيت قبل أيام الإبراهيمي، الذي سيقدم إلى مجلس الأمن الدولي تقريرًا عن الوضع في سوريا. ومواقفنا متطابقة تمامًا. لكن لا بد من التحرك بسرعة بالغة لأن الدماء تسيل يوميًا. لا غالب ولا مغلوب في هذا الصراع؛ سيخسر الجميع، وفي مقدمتهم الشعب السوري. واستمرار الأزمة لا يضر سوريا وحدها، بل المنطقة كلها، بما فيها مصر ودول الخليج، وكذلك روسيا والمجتمع الدولي بأسره.

  • لقد قرّبتم المواقف بين شخصيات سياسية مثل خالد مشعل، زعيم حماس، ومحمود عباس، زعيم فتح. كيف ترون الخطوات التالية في تسوية قضية الشرق الأوسط؟

–    من المهم أن يدرك الجميع في الشرق الأوسط أنه لن يكون هناك منتصرون، وأن أحد الأطراف لن يحقق السلام أبدًا على حساب الآخر. ونعد المصالحة الفلسطينية الداخلية بين فتح وحماس والفصائل الفلسطينية الأخرى في قطاع غزة أمرًا بالغ الأهمية. وقد اقتربنا بالفعل من هذا الهدف، حتى يعيش الفلسطينيون كجسد واحد ويكون لهم موقف موحد. وفي 21 نوفمبر من العام الماضي، تم التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل على وقف إطلاق النار، وأُحبط عدوان محتمل على غزة بمشاركتي المباشرة وبرعاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما. وما زلنا نبذل الجهود لكي يستمر هذا الاتفاق، ولا أرى حتى الآن أسبابًا لخرقه.

ومن الطبيعي أننا نسعى إلى الاستقرار في المنطقة، وما حدث لم يكن سوى مرحلة في عملية كبيرة، لكنه، للأسف، غير كافٍ. والمهم هنا أن يستعيد الفلسطينيون حقوقهم كاملة. ونحن من جانبنا لا نستطيع اتخاذ القرارات نيابة عنهم، وإنما يمكننا فقط دعم موقفهم انطلاقًا من مبدأ العدالة. فهم، لا نحن، الذين قرروا إنشاء دولة مكتملة ذات مؤسسات دولة عاملة: جيش، وبنك مركزي، وحدود وطنية، ومطار، وموانئ بحرية، حتى يعيش الناس في دولة بالمعنى الكامل للكلمة. وإذا لم يحدث ذلك، فلا أعتقد أنه سيكون ممكنًا تحقيق السلام الحقيقي المنصوص عليه في معاهدة السلام لعام 1979. ولا يمكن تجاهل هذا والقول إن لدينا هذا السلام، لأن السلام الشامل يجب أن يكون للشعب كله. فلا يجوز، مثلًا، عزل قطاع غزة والتحدث في الوقت نفسه عن سلام عادل، وإغلاق حدود هذا الجيب الذي يعيش فيه مليون ونصف المليون إنسان في ظروف لا يُعرف كيف يمكن احتمالها. ولهذا السبب أمرت بفتح المعابر الحدودية مع قطاع غزة، حتى تصل الأغذية والأدوية إلى شعبه، وحتى تتمكن العائلات والطلاب من التنقل بحرية عبر الحدود، وتستطيع المنظمات الإنسانية العمل. وهذا مهم لتحقيق الاستقرار الحقيقي، لكنه يحتاج إلى وقت. وقد أظهر الفلسطينيون إرادة حقيقية في إنشاء دولتهم، وقَبِل المجتمع الدولي ذلك. لا يمكننا أن نواصل قول الشيء نفسه عشرين عامًا وأن ندور في المكان ذاته. وتواصل إسرائيل نشاطها الاستيطاني، ولا تزال تتجاهل موقف المجتمع الدولي. وينبغي للجميع أن يفهموا أنه لن يكون هناك سلام لدولة واحدة وحدها. وأنا أقول الآن إنه يجب دعم الفلسطينيين حتى يحصلوا على جميع حقوقهم المشروعة. والمجتمع الدولي متفق على ذلك.

  • منذ «ثورة 25 يناير» في مصر، يتركز اهتمام العالم كله، من دون مبالغة، على بلادكم وعلى العمليات الجارية فيها. كيف تقيّمون أنتم الوضع في مصر؟

–    مستقبل مصر واعد: ينتظرنا نهوض وازدهار وتنمية حقيقية وعدالة اجتماعية؛ ومجتمع يتمتع فيه المصريون بحقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية. جميع المصريين، رجالًا ونساءً، شبابًا وشيوخًا، مسلمين ومسيحيين، كلهم أبناء هذه الأرض. ينتظرنا مستقبل عظيم. لكننا نمر الآن بمرحلة انتقال من نظام ديكتاتوري حُرم فيه الناس من الحريات ولم يتمتعوا بحقوقهم ولم تكن هناك ديمقراطية حقيقية. لم يكن الناس قادرين على اختيار قادتهم، وغرقت البلاد في فساد لم يعرف التاريخ له مثيلًا. وقد انفتحت أمامنا الآن آفاق جديدة للتنمية، قائمة على تطبيق أحدث التقنيات والمنجزات العلمية، والعدالة الاجتماعية، ومؤسسات حكم مستقرة ومستقلة، والشرعية الدستورية. إننا نبني دولة قانون تحترم القانون وتستمد شرعيتها من إرادة الشعب. وهذا يعني تغييرات هائلة، ومن الطبيعي أن نضطر إلى مواجهة عدد كبير من التحديات. هناك صراع، وهناك قوى داخل البلاد وخارجها لا تريد لهذا أن يحدث. ولم يمضِ على الثورة سوى ما يزيد قليلًا على عامين. وتحتاج السفينة المسماة «الدولة» إلى وقت حتى تمضي إلى الأمام. ومن الطبيعي تمامًا أن نواجه المشكلات ونعالجها، وسيحدث الانفراج في نهاية المطاف. ولا أعتقد أن هذه المرحلة الانتقالية ستطول.

  • يكاد وضع الاقتصاد المصري يوصف بأنه أزمة أو مرحلة تسبق الأزمة. ومن الطبيعي أن يشعر الناس بذلك في حياتهم. فهل توجد خطة للنهوض بالاقتصاد؟

–    يختلف الخبراء في تقييماتهم للاقتصاد المصري، وغالبًا ما يخلصون إلى استنتاجات خاطئة لعدم امتلاكهم معلومات وبيانات إحصائية كافية. وحالة الاقتصاد المصري جيدة بوجه عام، لكن التدقيق يكشف مشكلات مرتبطة بالبيروقراطية وأوجه القصور في عمل الحكومة. وقبل الانتخابات الرئاسية، استُنزفت احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية بدرجة كبيرة، للأسف، لأنها استُخدمت لدعم الاقتصاد. وفي فترة ما بعد الثورة، انخفض الإنتاج إلى أدنى مستوى، وهذا أمر طبيعي تمامًا. وفي البلاد 17 مليون شخص يعملون في القطاع الخاص، وستة ملايين آخرون يعملون في القطاع الحكومي. ولا نلحظ قفزة كبيرة في الأسعار أو مستوى مرتفعًا من التضخم. ولدينا خطط لتطوير الزراعة واستصلاح أراضٍ جديدة، والبحث العلمي، وجذب استثمارات أجنبية ضخمة، بما في ذلك مشروع تطوير البنية التحتية لقناة السويس. وفي مجال النقل، نخطط لمشروع ضخم لبناء خط سكة حديد من الإسكندرية إلى أسوان، ثم عبر السودان ودول أفريقية أخرى وصولًا إلى كيب تاون. ونعكف الآن على دراسة الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع. ولدينا أيضًا خطط مشتركة مع ليبيا لتطوير الزراعة والبنية التحتية. وفي الوقت نفسه، تظل مهمتنا الرئيسية إشراك المجتمع المدني إلى أقصى حد في تنمية الاقتصاد. ونحاول، بالتعاون مع شركائنا ومن بينهم روسيا، حل المشكلات التي تواجهها الحكومة في هذا المجال على أساس الشفافية والعدالة. ونحن نقدر، في هذا الطريق الصعب، آراء أصدقائنا ونصائحهم ومساعدتهم. وآمل أن يكون ذلك أحد الموضوعات الرئيسية خلال لقائي فلاديمير بوتين في سوتشي.

  • عاش أتباع الديانات المختلفة في مصر دائمًا في وئام. وكانت هذه الأرض على مدى قرون وطنًا ليس للمسلمين فقط، بل للمسيحيين أيضًا، ولا سيما المسيحيين الأقباط. ماذا تفعلون بصفتكم رئيسًا حتى يستمر التفاعل بين الطوائف والتسامح بين المصريين، وحتى يظل المسلمون والمسيحيون على السواء يشعرون بأن مصر وطنهم وبيتهم؟

–   لا أعتقد أن مثل هذه المشكلة موجودة في المجتمع المصري. فمنذ نحو 1400 عام يعيش المسيحيون والمسلمون جنبًا إلى جنب، ويجمعهم الإرث التاريخي والتقاليد الاجتماعية والثقافية. ولا أقبل كلمة «أقلية» عند الحديث عن المسيحيين؛ فهذا وطنهم أيضًا. نعم، هم أقل عددًا، لكن لهم الحق نفسه الذي للمسلمين في العيش على هذه الأرض. وأحيانًا تنشأ بين الجيران مشكلات ذات طبيعة معيشية بحتة، لكن احتكاكات مماثلة قد تحدث أيضًا داخل هذه الجماعات نفسها. إلا أنه عندما يحدث ذلك بين المسيحيين والمسلمين، يجري تأجيج الوضع عمدًا، بما في ذلك في وسائل الإعلام، وتُعرض المشكلة على أنها صراع طائفي. نحن جميعًا متساوون أمام القانون، مسيحيين ومسلمين. ولأول مرة في التاريخ، أصبح لدى مصر دستور يتضمن مادة مستقلة بشأن المسيحيين واليهود وغير المسلمين. نعم، الشريعة هي أساس التشريع وفقًا للمادة الثانية من الدستور، لكن المادة الثالثة تثبت حق المسيحيين واليهود في تنظيم علاقاتهم داخل طوائفهم استنادًا إلى تقاليدهم وأحكامهم الدينية الخاصة. وهذا يتعلق بالزواج والطلاق وحقوق الميراث واختيار قادتهم الروحيين. ليست لدينا خلافات دينية، بل لدينا خلافات اجتماعية. وأنا ملتزم بهذا الموقف وبما ينص عليه القانون. وكل المخاوف في هذا الصدد لا أساس لها. وأنا، بوصفي مسلمًا سنيًا، أنطلق مما يقوله القرآن: إذا لم تُضمن لغير المسلمين حقوق متساوية، فسيكون ذلك انتهاكًا لأحكام الإسلام. كما ينص دستورنا الجديد على أن المصريين، بل والأجانب أيضًا، يتمتعون بالحريات نفسها ولهم حقوق متساوية على أرض مصر. ونحن جميعًا في تواصل مستمر، وأنا على وجه الخصوص أحافظ على اتصالات منتظمة مع الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية. ولا يوجد في مصر أي تمييز ضد أي شخص. ونضمن للجميع حرية التعبير وحرية الاعتقاد. وعندما تنشأ مشكلات، نحاول حلها على وجه السرعة، وأتدخل شخصيًا لمعالجة المواقف الحساسة.

  • أود أن أتطرق إلى موضوع بالغ الأهمية، ولا سيما بالنسبة إلى الروس. نحن على أعتاب موسم العطلات، ومنتجعات مصر وجهة مفضلة لقضاء العطلة لدى مئات الآلاف من مواطنيّ. ولدي في هذا الصدد سؤالان: إلى أي مدى يمكن للروس أن يشعروا بالطمأنينة والأمان في منتجعات مصر؟ ومن ناحية أخرى، ماذا تفعلون، بصفتكم رئيسًا، وماذا تفعل حكومتكم لتوسيع النشاط السياحي في مصر؟

–   مصر آمنة للروس وللسياح من الدول الأخرى. ونبذل جهودًا كبيرة في مجال الأمن، ونوفر الحماية للمنشآت السياحية. وقد تنقلتم بأنفسكم في القاهرة ورأيتم أنه لا يصدر أي تهديد عن أحد. نعم، تقع حوادث منفردة، كما في أي بلد في العالم. وعلى الرغم من أن الحوادث تحظى كثيرًا باهتمام مبالغ فيه، فإن مصر بوجه عام ومعالمها التاريخية، ولا سيما في الأقصر وأسوان وسيناء والبحر الأحمر والقاهرة، كلها آمنة لزيارة السياح. وإذا رجعنا إلى الإحصاءات العالمية، فسنرى أن مصر لا تختلف كثيرًا عن الدول الأخرى، بل إنها أكثر أمانًا وفق بعض المؤشرات. وإذا وقعت أي حوادث، فإننا نستجيب لها على الفور ونقدم المساعدة للأجانب الذين يجدون أنفسهم في وضع صعب. ويتنقل السياح بحرية في أنحاء البلاد كلها، حتى ليلًا، مثلًا من القاهرة إلى أسوان، وكل ذلك آمن. وندعو أصدقاءنا من روسيا إلى قضاء عطلاتهم لدينا في مصر.

  • أود أن أطلب منكم، سيادة الرئيس، أن تحدثونا قليلًا عن أنفسكم. فبعد وصولكم إلى منصب الرئيس إثر انتخابكم، تغيرت حياتكم تمامًا. لقد عشتم حياتكم عالمًا محترفًا ومهندسًا، وكنتم بعيدين عن السياسة بوجه عام. لكن الحياة شاءت أن تصبحوا رئيسًا للدولة. والآن مقر إقامتكم هذا القصر الضخم المكون من 300 غرفة. كيف تشعرون وأنتم في هذا المنصب؟ إلى أي مدى يتوافر لديكم وقت فراغ للتواصل مع الأسرة، وأين تستريحون؟ أعلم من موظفيكم أنكم تعملون على مدار 24 ساعة. وفي نهاية المطاف، هل يعجبكم هذا المنصب، منصب الرئيس؟

–  يجب أن أؤدي بشرف الواجبات التي حمّلني إياها الشعب من أجل الوطن. نحن نمر الآن بمرحلة صعبة ونواجه مشكلات كثيرة، لكن الثورة المصرية السلمية ستدخل سجلات التاريخ. وقد أسهم كل مصري في جعل البلاد أكثر تحضرًا واستقرارًا.

وأنا أؤدي دوري مع جميع المصريين. وتقع على عاتقي، بصفتي رئيسًا، مسؤولية كبيرة لإخراج البلاد من المرحلة الانتقالية بأقل قدر من إراقة الدماء، ومن دون اللجوء إلى إجراءات استثنائية. ويتطلب ذلك النظر إلى جذور المشكلات القائمة، وفهم ما يجري جيدًا، وعدم الانفصال عن الشعب.

ولذلك لا خيار أمامي سوى مواجهة التحديات القائمة، بوصفي أول رئيس ينتخبه الشعب في انتخابات حرة لأول مرة خلال آلاف السنين من تاريخ مصر.

لدينا حكومة، ولدينا مؤسسات وعلماء وخبراء. وللأسف، لم تكن هذه الطاقات تُوجَّه دائمًا في الماضي إلى المسار الصحيح. وتطغى هذه المسؤولية على حياتي الشخصية، ولا تترك تقريبًا أي وقت للراحة. وأنا أعمل كثيرًا جدًا من أجل أن يسود الهدوء والأمن في مصر. لكن الرئيس لا يستطيع بمفرده التعامل مع كل هذه المشكلات. ولذلك أستعين بالمستشارين والخبراء وأستفيد من التجارب الأجنبية الإيجابية.

  • ذكرتم الواجب الوطني الذي دعاكم إلى السياسة، وقلتم إن هذا عمل شاق للغاية وعلى مدار الساعة. وفي هذا السياق، هل تودون أن يسير أبناؤكم على خطاكم وأن يعملوا هم أيضًا بالسياسة؟ أم تقولون لهم: لا، أنا الذي سأعمل بالسياسة، ومن الأفضل أن تهتموا أنتم بأعمالكم، لأنها مهمة شاقة للغاية؟

–   أبنائي راشدون بالفعل، وهم أحرار في اختياراتهم، ولكل واحد منهم طريقه الذي يراه صحيحًا. فمنهم مهندسون وأطباء ومحامون، ومنهم رجال أعمال ومحاسبون وطلاب. وهم يندمجون في هذا المجتمع كمصريين حقيقيين. وبالحديث عن مبادئ أسرتي، أود أن أقول بصراحة إنه إذا شغل أحدهم يومًا ما منصبًا يتطلب قدرًا كبيرًا من العمل والجهد والتضحية بالنفس، فإنني أتمنى أن يكرّس نفسه بالكامل لمصر. والأمر هنا لا يتعلق حتى بالسياسة، فهناك مجالات كثيرة أخرى يستطيع المرء أن يوظف نفسه فيها لما فيه خير البلاد. لقد قلت دائمًا، وسأظل أقول، إنني أريد بشدة أن يقدم أبنائي أي تضحية يقدمونها من أجل الوطن وحده، وأن يكونوا في الصفوف الأولى من أهل الاستقامة. ولم يعد لدينا الآن في مصر مفهوم اسمه «ابن الرئيس». الموجود فقط هو الشعب الذي يحكم ويختار. لدينا قانون وانتخابات حرة ودستور ومسؤولية حقيقية، والشعب وحده هو الذي يحكم على عمل الرئيس، الذي لن يسمح بعد الآن بالحديث عن «أبناء الرئيس المدللين». وأنا نفسي لن أسمح بذلك أبدًا. ومن المهم جدًا أن يكون في مصر قانون مستقر، وأن يعمل الدستور ومؤسسات الحكم. وأود أن أؤكد أن مصر ينبغي ألا تعتمد الآن على شخص واحد فقط. بل يجب أن تعمل جميع سلطات الدولة، وأن تستند إلى مفهوم «دولة المؤسسات». وبالطبع، دور الرئيس بالغ الأهمية، ولا سيما في المرحلة الانتقالية، لكنه لا يستطيع حمل هذا العبء وحده. إلا أن على الرئيس أن يتحمل المسؤولية كاملة، وأن يضحي بالكثير، وفي المقام الأول بنفسه، من أجل استقرار البلاد. وسيُظهر التاريخ أن المصريين استطاعوا، بعدما قدموا تضحية هائلة واختاروا رئيسهم بإرادتهم، أن ينهضوا من القاع وأن يستكملوا هذا الانتقال بسلام ومن دون إراقة دماء.

  • اسم برنامجنا «معادلة السلطة». وفي ختامه، أطرح دائمًا على ضيوفي السؤال نفسه: ما السلطة؟ لم تسعوا قط إلى السلطة، لكنكم اليوم، بمشيئة الله، تمارسون أعلى سلطة في مصر. فماذا يعني لكم هذا الشيء المعقد الذي يسمى «السلطة»؟ وكيف تجدون مذاقها؟

–  يتقوم السلطة في مصر الآن على الاختيار الحر المباشر للشعب وعلى عمل المؤسسات. لكنها بالنسبة إليّ مهمة شديدة الصعوبة، وهي واجبي الوطني، واجبي تجاه الوطن الذي أنا مستعد للتضحية من أجله بكل ما لدي إذا لزم الأمر. ويجب على مصر، وآمل أن يتحقق ذلك بعون الله، أن تقف في صف واحد مع القوى العظمى الأخرى: دول متحضرة تحترم الحرية والديمقراطية الحقيقية، وكذلك العدالة الاجتماعية.

السيرة المنشورة:

وُلد محمد مرسي عام 1951. وتخرج في جامعة القاهرة، ثم واصل دراسته في جامعة جنوب كاليفورنيا، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة. وعاد إلى مصر عام 1985 ودرّس في جامعة الزقازيق، وظل أستاذًا فيها حتى عام 2010. ومنذ عام 1992، بدأ يشارك في نشاط حركة «الإخوان المسلمين» الإسلامية التي كانت محظورة في مصر آنذاك. وفي عام 2000، انتُخب مرسي عضوًا في البرلمان المصري بصفته مرشحًا مستقلًا، وظل في الوقت نفسه، وبصورة غير رسمية، أحد قادة «الإخوان المسلمين». وفي عام 2006، قضى مرسي نحو سبعة أشهر في السجن، وذلك بعد توقيفه خلال إحدى المظاهرات المعارضة. وفي عام 2007، أصبح مرسي أحد واضعي برنامج «الإخوان المسلمين» الذي اقترحه الإسلاميون المحافظون، وكان يفترض تدخل علماء الدين المسلمين تدخلًا نشطًا في السياسة، وإنشاء دولة إسلامية مع فرض قيود على تولي غير المسلمين والنساء المناصب الحكومية. وفي 30 يونيو 2012، أصبح مرسي رئيسًا لمصر بصفته مرشح حزب الحرية والعدالة. وهو متزوج وله خمسة أبناء وثلاثة أحفاد.

المصدر: بيانات الصحيفة الناشرة: روسيسكايا غازيتا — طبعة العاصمة، العدد 84 (6060)

 

المصادر والتوثيق

النص الأصلي: طالع نص الحوار الأصلي باللغة الروسية (PDF)

موضوعات مرشحة