مرسي في مواجهة المجلس العسكري

Morsi Versus the Military Council

بقلم: يزيد صايغ
تاريخ النشر الأصلي: 29 يونيو 2012

إن فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي، في الانتخابات الرئاسية يوسّع هامش الانفتاح الديمقراطي في مصر بدرجة بالغة الأهمية، وإن كانت محدودة. غير أن صراعًا طويلًا وشاقًا لا يزال ينتظر البلاد قبل أن يتمكن القادة المدنيون المنتخبون ديمقراطيًا من فرض سلطة حقيقية وذات مغزى على القوات المسلحة. ومن دون تحقيق ذلك، ستفتقر الحكومات المقبلة إلى الاستقلال الفعلي اللازم لوضع السياسات وتنفيذها، وستظل عرضة لحالة مزمنة من عدم الاستقرار.

ومع ذلك، فإن أنصار النظام السابق، والسياسيين العلمانيين غير الليبراليين، وحتى بعض الشخصيات الليبرالية، واثقون من أن مرسي لن يستمر أكثر من عام واحد، ناهيك عن إكمال فترة رئاسية كاملة مدتها أربع سنوات. وهم يتوقعون كذلك أن يعمل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يتولى السلطة، على التأثير في عملية صياغة الدستور الجديد وانتخاب برلمان جديد خلال الأشهر المقبلة، بما يضمن ألا يكون مرسي أكثر من رئيس مؤقت.

وإذا نجح المجلس العسكري في ذلك، فإن مصر ستخضع لوصاية عسكرية إلى أجل غير مسمى.

يكشف إصدار المجلس الأعلى للقوات المسلحة الإعلان الدستوري المكمل في 17 يونيو/حزيران 2012 عما يمكن أن ينتظر البلاد. فمن الناحية العملية، ضغط المجلس العسكري على زر «إعادة الضبط»، ملغيًا جميع الترتيبات والجداول الزمنية والنتائج التي أفرزتها الأشهر الستة عشر السابقة من المرحلة الانتقالية ـ باستثناء الانتخابات الرئاسية ـ ومقررًا مرحلة انتقالية ثانية ستمتد على الأقل خلال الأشهر الستة الأولى من رئاسة مرسي.

وفوق ذلك، تصرف المجلس العسكري بصورة منفردة، من دون أي محاولة للتشاور مع الأحزاب السياسية والمرشحين للرئاسة، كما كان يفعل في السابق. وهذا يؤكد وضعه الخاص باعتباره أقوى فاعل سياسي في مصر، لكنه يشير أيضًا إلى اعتقاده بأن اللعبة تقترب من مراحلها النهائية، وأن عليه البدء في كشف أوراقه المتعلقة بالصلاحيات الدستورية والوضع الاستثنائي اللذين يسعى إلى تكريسهما بصورة دائمة.

والطريقة التي صاغ بها المجلس العسكري المرحلة الانتقالية الثانية تمنحه أداتين مهمتين للتأثير في العملية المقبلة.

أولًا، يجب إقرار الدستور قبل أن يكون بالإمكان إعادة انتخاب البرلمان، الذي أمرت المحكمة الدستورية العليا بحله في 14 يونيو/حزيران. وقد تقدم قادة البرلمان إلى محكمة القضاء الإداري بطلب لإلغاء هذا القرار، لكن إذا ظل القرار قائمًا، فسيُحرم مرسي من دعم حليف سياسي مهم ومن مؤسسة رئيسية لها دور في تشكيل الدستور الجديد.

ومع عدم انعقاد البرلمان، يصبح من غير الواضح من يمتلك الآن سلطة اعتماد الحكومة المقبلة. فمرسي يمتلك صلاحية تعيين رئيس الوزراء، لكن من المرجح أن يطالب المجلس العسكري مرة أخرى بحق اعتماد مجلس الوزراء، بما يؤدي إلى توسيع نفوذه أكثر.

ثانيًا، منح المجلس العسكري نفسه حق الاعتراض على أي مواد في مشروع الدستور لا تروق له، وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا لاتخاذ القرار النهائي بشأنها، وهي المحكمة التي جاء تشكيلها حتى ذلك الوقت في صالحه.

كما أن الأسس التي يمكن الاستناد إليها في الاعتراض فضفاضة بصورة استثنائية إلى درجة تكاد تفقدها معناها؛ إذ يمكن الطعن في المواد بحجة تعارضها مع «أهداف الثورة ومبادئها الأساسية أو المبادئ الأساسية للدساتير السابقة»، وهي صياغة يمكن، في ظاهرها، أن تشمل عهود مبارك والحقبة الاشتراكية وحتى الحقبة الملكية.

صحيح أن الإعلان الدستوري المكمل منح الحق نفسه في الاعتراض لكل من مرسي ورئيس الوزراء والمجلس الأعلى للهيئات القضائية، أو لأي مجموعة تشكل خُمس أعضاء الجمعية التأسيسية المكلفة بصياغة الدستور الجديد على الأقل، لكن الأهم هو أن المجلس العسكري يمتلك القدرة على تعطيل العملية بأكملها وتأخيرها بصورة كبيرة.

من الواضح أن المجلس العسكري يتمتع بموقع قوي، لكنه يواجه معضلة. فهو لا يسعى إلى استنساخ كامل للنصوص السلطوية التي تضمنتها الدساتير السابقة، لأنه لم يعد قادرًا على ضمان أن يتولى الرئاسة مستقبلًا رجل عسكري أو حليف مدني له، يستخدم السلطات التنفيذية المركزة لصالح المؤسسة العسكرية.

لكن المجلس العسكري، من خلال طرح شروطه مسبقًا، وضع قضية العلاقات المدنية العسكرية مباشرة على جدول النقاش العام.

وقد ينجح في نهاية المطاف في انتزاع بعض الصلاحيات الدستورية من المدنيين، وهي صلاحيات يفترض في النظام الديمقراطي أن تكون من اختصاص السلطة المدنية، مثل حق إعلان الحرب، والإشراف والرقابة على ميزانية الدفاع والمساعدات العسكرية الأمريكية، وتعيين كبار القادة العسكريين أو الموافقة على صفقات التسليح الكبرى.

لكن المجلس العسكري سيواجه صعوبة أكبر في الاعتراض علنًا على حق السلطات المدنية الجديدة في مصر في تقليص تغلغل المؤسسة العسكرية داخل الإدارة المحلية والجهاز البيروقراطي المدني والشركات التجارية المملوكة للدولة وغيرها من قطاعات الاقتصاد، وكذلك وزارة الداخلية والشرطة وجهاز المخابرات العامة.

كما أصبح أمام المجلس العسكري الآن منافس جديد هو محمد مرسي.

لقد قلّص الإعلان الدستوري المكمل صلاحيات مرسي طوال الفترة المتبقية من المرحلة الانتقالية، مهما امتدت هذه الفترة، لكنه سيتمكن من تحويل الشرعية التي يمنحها له منصبه إلى قوة سياسية خلال الصراع المقبل بشأن تحديد شكل الدستور الجديد.

وبمجرد إقرار هذا الدستور ـ بصرف النظر عن طبيعة توزيع السلطات الذي سيحدده بين الرئاسة والبرلمان ـ سيكون من المنطقي أن يتوقع مرسي العمل مع البرلمان من أجل ترسيخ سلطة مدنية حقيقية وفاعلة.

ومن غير المرجح أن يتغير ذلك كثيرًا حتى إذا أجريت انتخابات برلمانية جديدة وتراجع تمثيل جماعة الإخوان المسلمين فيها، لأن كثيرين ممن أيدوا منافس مرسي في الانتخابات الرئاسية، رئيس الوزراء الأسبق أحمد شفيق، لا يسعون إلى إعادة النظام القديم، وقد يؤيدون إصلاحات ديمقراطية مستقبلًا.

كما أن المجلس العسكري لا يستطيع تأجيل إقرار دستور جديد أو انتخاب برلمان جديد ـ إذا تقرر إجراء انتخابات جديدة ـ إلى ما لا نهاية.

إن الصلاحيات والامتيازات الاستثنائية التي يسعى المجلس العسكري إلى تكريسها في الدستور الجديد تضعه فوق أي سلطة مدنية، لكنه في الوقت نفسه حريص على التخلي عن دوره المباشر في الحكم، واستبدال الحكم العسكري الواسع والمباشر بنوع أكثر خفاءً من الوصاية العسكرية على الدولة المصرية.

ولتحقيق ذلك، سيكون عليه إيجاد توازن بين السلطات السيادية المتبقية التي يطالب بالاحتفاظ بها وبين ضرورة تقديم تنازلات حقيقية للقوى التي تسعى إلى إقامة حكم مدني فعلي.

وعلى الرغم من أنه لا توجد أي ضمانات بأن مسار التحول الديمقراطي في مصر سيزداد رسوخًا، فإن نتائج الانتخابات أوجدت مساحة سياسية يتعين على مرسي وغيره من الأحزاب والقوى السياسية العمل على استثمارها.


مصدر المقال

Carnegie Endowment for International Peace

نسخة PDF المؤرشفة

تحميل نسخة PDF من المقال

موضوعات مرشحة