بقلم: عادل صبري
تاريخ النشر الأصلي: 15 يوليو 2012، 09:39 ص
هناك بون شاسع بين القاضي والجلاد. فالقاضي وفقا للعرف والقانون هو جهة الفصل بين المتخاصمين، ومن المفترض أن تكون أحكامه بعيدة عن الهوى وما يكنه في القلب. أما الجلاد فهو أداة غليظة لتنفيذ ما حكم به القاضي، سواء قضى بالضرب بالسياط أم اعدام المتهم بالسيف أو قتله بالرصاص.
في معركة عودة مجلس الشعب التي فجرها قرار الرئيس محمد مرسي، واشتبكت فيها القوى السياسية بجميع طوائفها، وجدنا أن العلاقة بين القاضي والجلاد، لم تعد منفصلة في أرض الواقع. فالخلاف الذي أوجده قرار الرئيس، كان من المفترض أن يظل قانونيا لحين الفصل فيه عن طريق المحاكم. مع ذلك وجدنا أن الخلاف اتخذه البعض وسيلة لضرب الثورة في مقتل بدلا أن يصب غضبه على صاحب القرار فقط . فهذه الفئة التي تربصت دائما بالثورة، سرعان ما أكملت حلقاتها عبر الراوبط القديمة التي تجمعها في أجهزة الإعلام وجماعات الفلول، لإشاعة جو من الفوضى الإعلامية والسياسية وما تبعها من انفلات أخلاقي، طال كل ما قدمته الثورة من أعمال جليلة خلال الفترة الماضية. لم يراع هؤلاء أن الثورة لم يصنعها الرئيس ولا جماعة الإخوان المسلمون، وإنما الشعب الذي عاني الذل على أيديهم طوال السنوات الماضية. لذا كان هجومهم على الشعب الذي انتفض، وكأنهم يقولون هذا ما جنيتموه بأيديكم بعد أن رفضتم أن يقود الفريق شفيق جماعات الفلول للعودة إلى عرش النظام البائد مرة أخرى.
لم يكن غريبا أن ينضم جهابذة الإعلام الحكومي الفاسد وأرجوزات الإعلام الخاص،ومن يحركونهم إلى قافلة القضاة الذين يحاسبون الثورة على أفعالها، أثناء نظرهم القانون الرئاسي. فالحياة عند هؤلاء توقفت عند أبواب الرئاسة التي سدت بحالات العوز والمظاهرات الفئوية. وأصبحت الاتهامات التي توجه للرئيس مرسي بأنه تباطأ في مواجهتها، بمثابة فشل للثورة برمتها، ومنهم من ترحم صراحة على الحال التي كنا عليها أيام الرئيس السابق. الخلط بين الأمرين لم يكن غريبا لأن الثورة التي صمدت أمام نيران الشرطة وجحافل قوات الأمن كانت في انتظارها أقلام وقلوب مسمومة تحاول بث سمومها إلى كل عمل تجنيه البلاد جراء ثورتها، بأية وسيلة. ولم يكن مستغربا من أن يتحول بعض المشاركين في الثورة عن طريقها، طالما وجدوا أن الحصاد الذي انتظروه صب في اتجاه منافسيهم. فهكذا الساسة يعرفون طريقهم للمكاسب، بالوسيلة التي تريحهم، عبر الثورات أو المشاركة في الحكم ولو كان فاسدا، أما ما يصب في صالح الوطن فهو آخر ما يفكرون فيه على الإطلاق.
لذا لم تخدعنا شعارات من أطلقوا على أنفسهم ثوارا في ميدان التحرير أو غيره، بل انتظرنا طويلا حتى نعرف من بينهم الغث والثمين. ولم يؤلمنا تحول بعضهم عن الثورة لمجرد انفاقه عدة دولارات على حمامات المياه والمنصات التي يصنعها لمريديه. ولهذا لم ترعبنا التحولات التي طرأت على أشخاص ساعدوا الثورة في أيامها الأول، فبعضهم كان يؤيدها تشفيا في خصومة أو رغبة في الانتقام. ولم تزعزعنا الثقة في القضاة عندما طل رجل مثل الدكتور ممدوح حمزه الذي زج به النظام السابق في سجون لندن، ليطلب من المجلس العسكري عدة مرات أن ينقلب على الثورة. فأثناء الأزمة القانونية التي شهدتها مصر بعد قرار عودة البرلمان، دعا صراحة أن يتولي المجلس العسكري أمور الدولة وينقلب على الثورة التي ساعدها كثيرا. كلمات الدكتور حمزه، كانت متوقعة، فكراهيته لجماعة الإخوان المسملين، وما يأتي من التيار الديني جعلته قاضيا بعدم صلاحية الشعب في قدرته على الاختيار الصحيح. وتحول حمزه من مناصر للثورة إلى جلاد لها، لأنه يريد ثورة على مزاجه الشخصي أو نابعة من نظرة فاشية متغطرسة. فالناس في نظر رجل مثقف مثله، وهو المنتمي إلى الطبقة البسيطة والوسطي لا تستحق أن تحدد ما تريده وإن تحملت بقسوة نتيجة خياراتها.
كنا نعول على عقلاء الأمة أن يميزوا بين غضبهم من قرار الرئيس والتيار الذي يمثله وبين حنقهم الشديد على الثورة، ولكن وقع الكثيرون منهم في الفخ، عن قصد أو
انزلقت قدماه في بحر الهوى الشخصي. وعلى رأس هؤلاء جاءت القاضية تهاني الجبالي نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا، التي طالبت المجلس العسكري أن ينقض على السلطة ، ويستولى على الحكم من الرئيس مرسي لأنه في نظرها أصبح مارقا ورافضا لأحكام القضاء. فالسيدة القاضية التي عارضت الثورة المصرية منذ الساعات الأولي لها، خلطت بين رأيها الشخصي وعملها كقاضية في كثير من الأمور، فأصرت على الظهور في العديد من البرامج لتصب غضبها على الرئيس وقراره، دون أن تدرك أنها توجه رصاصات قاتلة لكل ما يمثل الثورة ذاتها. لم تتعلم السيدة أن كبار القضاء لا يدلون بآرائهم في الحقل السياسي، خاصة إذا ما تعلق القول بخصومة هي طرف فيها في المقال الأول. لم تتوان السيدة التي عينها الرئيس السابق في المحكمة الدستورية العليا ، على غير العادة، بمطالبة المجلس العسكري مرارا بأن يتولي السلطة. أثار الطلب دهشة العقلاء وفرحة الجهلاء، لأن القاضية التي يفترض أنها تقيم العدل بين الناس، تعطي للسطة العسكرية التي تمثل الجلاد في نظر الدولة المدنية ورجال القانون والعاملين في حقوق الإنسان، سلطة الانقلاب. نسيت أن العسكر عندما يحكمون فأول من يطيحون برأسهم القضاة ثم خصومهم السياسيين، لأنهم يكرهون أية سلطة تنازعهم الحكم.
ظهرت الطامة الكبري عندما تفوه المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة، الناقم على الثورة المصرية برمتها، داعيا القضاة إلى اضراب شامل يشل حركة المحاكم والحياة المصرية إذا لم يتراجع الرئيس عن كلمته. لم يتحرك المستشار الزند لنصرة أهل المهنة وكلمة الحق، فالشواهد السابقة لم تخبرنا عن موقف مماثل اتخذه،عندما ضربت إمرأة من الحزب الوطني أحد القضاة حاول منعها من الغش والتلاعب في صناديق الاقتراع. ولم يتجرأ أن يقف مثل هذا الموقف العنتري عندما رفض مبارك ورجاله الإشراف القضائي على الانتخابات. ولكن الشعب الذي ثار وأمر برلمانه والمجلس العسكري بأن يكون القضاة هم وحدهم المشرفين على الانتخابات العامة ثقة في نزاهتهم، أصبح في نظره يستحق الحصار لأنه اختلف مع الرئيس في رؤية قانونية.
في قراءات كثيرة لعلماء النفس نجد ظاهرة عشق ضعاف النفوس لجلاديهم، ولكن لم نعرف أبدا أن بعض القضاة يعشقون الجلد إلى هذا الحد الذي يدخلهم في معارك ضد الشعب وثورته. فالمجد الذي يبحثون عنه زائل لا محالة ولن تموت العدالة، لأن أدواتها وضعت في يد شخص بعينه، ولا يعنينا كلمات التدين ولا الخروج عنها، لأن دولة العدل باقية ولو كانت كافرة ودولة الظلم زائلة ولو كانت مؤمنة. فعلى هؤلاء أن يقيموا العدل في أرض الله، حتى لا يصب الناس عليهم اللعنات إلى يوم الدين.


